نقلا عن ساسة بوست:
\على الورق رسموا لعبة بنك الحظ، ومن الصابون صنعوا النرد ونحتوا به الأرقام، ومن أغطية زجاجات المياه مختلفة الألوان لعبوا السيجا، وبنك الحظ. اللعب هنا هو إحدى طرق الصراع مع ليل السجن الطويل، ووسيلة لإدخال البهجة على قلوب أدمتها الجراح.

يلعبون بنك الحظ، فلا «حظ» لهم في اهتمام القيادات وولاة الأمر ، مضت أربع سنوات ولا يلوح في الأفق ما يبشر بكسر القيد، على كارتونة رسموا اللعبة وخطوا عليها مدنًا ودولًا كمحطات يعبرونها على الورق، وهم في الحقيقة لا يستطيعون تجاوز جدران الغرف المظلمة، وحول هذا المربع المظلل الذي يرمز للسجن على الكارتونة يكون السجن حقيقة، وحظ الأحرار العيش فيه.

إرشادات اللعبة رسموها بشكل ساخر، كتبوا في بطاقات اللعبة العديد من الأقوال المأثورة والطرائف المضحكة، حتى العقوبات في اللعبة كانت تكتب بطريقة كوميدية،تستمد من واقع القضاء الشامخ والمحاكم الهزلية، تتسع اللعبة لأربعة والزنزانة لدستة من البشر، وبالسجون مئات الزنازين. واقع مرير نعيشه، ومع الوقت كأننا ألفناه.

لا يمكنك في السجن تمضية الوقت بالنظر في الهاتف الذكي، فحيازة كل ما يطلق عليه «هاتف» وإن تضاءل حجمه وتراجعت إمكاناته جريمة عظمى عقوبتها الحبس الانفرادي لفترة تصل إلى شهر، مع حرمان من الزيارة ورؤية الأهل، يوميًّا تجد حملات التفتيش بإشراف رئيس مباحث السجن والمخبرين للبحث عن أي «هاتف»، وفي التفتيش فرصة للتنكيل بالمعتقلين، والعبث بأغراضهم ودهسها أرضًا، لتتحول ساحة الغرفة إلى مزبلة، ويكون أعلاها أسفلها، يقلبون بقايا الأطعمة على أكوام الملابس، ويضعون فوقها ما وجدوه في سلة القمامة، يختلط كل شيء في الوسط، وتصادر الكتب كممنوعات. وإذا قال لك «ميري» فغير مسموح بالراديو أو السماعات، وإذا اعترضت فسوف تسمع من السباب ما يعف ذكره.

مكتوب على جبينك بطل يا ساكن الزنازين.
الفتى ضياء هو أحد اللاعبين المتميزين في رياضة «الكيك بوكس»، قوي البنية، ذو ملامح أوروبية، له من اسمه نصيب؛ فهو بهي الوجه، حسن الخلق، قارئ مثقف، طالب لم يتخط العشرين يدرس في كلية عملية، مرت أربع سنوات على اعتقاله بتهمة التظاهر من أجل قلب نظام الحكم، كان رفيقي في الزنزانة 11، عنبر «ج»، بسجن استقبال طرة، علمت من صديق لنا أنهم حكموا عليه بالمؤبد، ربما لو قضى هذا الشاب ما قضاه في سجنه بأحد الأندية في معسكر تدريبي مغلق لاستطاع الحصول على ميدالية أوليمبية لبلده، فلديه من القدرات والمهارات البدنية ما يؤهله لذلك، أمثال ضياء من الشباب يغيبون عن مؤتمرات السيسي ومشروعاته التي تقتصر فقط على شباب الأجهزة الأمنية.

ولكي يمارس ضياء رياضته المفضلة داخل زنزانته، ملأ قميصًا بالملابس وعلقه بحبل يتدلى من النافذة، أحيانًا كنت أساعده بحمل هذا الكيس ليلكمه أو يركله بتتابع وسرعة فائقة، نتمنى أن نراه بطلًا أوليمبيًّا، وألا يضيع شبابه خلف القضبان.

لا السجن يبكينا ولا التبعيد، كلا، ولا الإرهاب والتهديد، سنظل نهزأ بالخطوب تجلدًا، مهما استمر الضغط والتشديد، والقيد مهما أحكمت حلقاته، كسرته منا أذرع وزنود.
تستلم كل زنزانة نصيبًا من الصابون يناسب عدد أفرادها، كان أحدهم معيدًا في كلية طب الأسنان، اعتقلوه قبل أيام من موعد زواجه، كان يقضي وقته في استذكار دروسه العلمية حتى لا ينساها، ويقرأ القرآن بالقراءات ويحفظ متونها، وبعد العشاء تراه ينحت الصابون ليخرج منه الورود لحبيبته يهديها إليها في الزيارة

أنا بالوطن مسكون وكِلمتى حُرَّة، عارف حاموت مسجون في السجن.. أوْ بَرَّه.
عبد الرحمن الأبنودي
تعد حفلة السمر عادة أسبوعية، لكل زنزانة يومها حسب جدولها وبرامجها، فهؤلاء الأبطال لا يقضون أعمارهم عبثًا، يحاولون الاستفادة من الوقت واستثمار كل دقيقة في شيء مفيد، في حفلة السمر تكون الأناشيد والخواطر القصيرة، والأسئلة والمسابقات، والتمثيل وإلقاء النكات، تدخل السرور على القلوب، وتعلو ضحكات المشاركين لتهزم ظلام ليل السجن الموحش، وتنذر بقرب صباح يوم جديد، ومع كل شمس يتجدد الأمل.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات