في مصر الصحفي محكوم عليه أن يكون ضمن “حديقة المعر*”، وفق ما قاله خالد صلاح رئيس تحرير “اليوم السابع “، أكبر موقع إخباري في مصر أو طبل للنظام بكل ما أوتي من قوة، أو يتم حجبه عن الجمهور ومنعه من الكتابة وفصله بقرار تعسفي بمعرفة الجهاز السيادي الأقوى في مصر، “المخابرات الحربية” المشرفة على ملف الإعلام والصحافة منذ تولي الجنرال السيسي مقاليد الأمور.

الحالة الصحفية في مصر تم إخصاؤها حقيقة منذ الثالث من تموز/ يوليو، فتم منع معظم الأقلام المعارضة عقب إغلاق أكثر من 40 مؤسسة صحفية وإعلامية تمثل نقاط الارتكاز الحقيقي للمعارضة، وسط صمت النخب الليبرالية واليسارية التي جاء دورها اليوم لتشرب من كأس الحجب والمنع، بعد أن فرغ النظام من تكسير عظام الإسلاميين، وصادر كافة منابرهم الصحفية في الداخل وحجب الباقي الذي يصدر من المهجر.

وبعد سنوات من الحملة المنهجية لإدخال الصحافة المصرية بيت الطاعة، بدأت حملة لتفريغ الصحف من بقايا المعارضين ممن كشفتهم أحداث “تيران وصنافير” الذين تصدوا للتنازل عن الجزر؛ وأعلنوا مواقف صريحة مناهضة للخيانة والتفريط في الأرض، من أمثال الزملاء الثلاثة في صحيفة اليوم السابع الذين تحداهم رئيس تحريرها بصورة شخصية، وأعلن أن “السيسي” رئيس مجلس إدارة الصحيفة أمر بفصلهم، وأنه لا تراجع ولا استسلام في تنفيذ قراره السيادي!!

أما المشهد اللافت في شهر حزيران/ يونيو حجب 150 موقعا متباين الاتجاهات، بين منابر للإسلاميين أو لليسار أو لليبراليين، بل تخطى الأمر إلى حجب مدونات لعشرات الصحفيين المعارضين ممن يلاحقهم النظام بلجانه الإلكترونية وأدواته القمعية، في وسيلة ضاغطة على أصحاب تلك المواقع؛ لإغلاقها أو تغيير سياستها لتصبح موالية للنظام. لكن تلك الضغوط لم تنجح، فاتجه النظالم إلى مصادرة أموال أصحاب تلك المؤسسات الصحفية والتحفظ على الشركات في محاولة للضغط على صحفييها لتغيير توجههاتهم التحريرية؛ طمعا في استقرار أوضاعهم المعيشية بدلا من الطرد والتشريد، كما حدث مع صحف “ديلي نيوز إيجبت” والبورصة ومصر العربية وبوابة القاهرة، لكن تلك الضغوط لم تغير من خطها التحريري حتى اليوم، لكنها جميعا معرضة للتصفية أو للبيع.

في المقابل شهد الربع الثاني من 2017 مساعي حثيثة من السيسي ورجالة للاستحواذ على المؤسسات الأكثر تأثيرا. فعبر غطاء “رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة” استطاع النظام الهيمنة على قرابة 10 مؤسسات صحفية خاصة خلال شهور قليلة، ليصبح المحتكر الأول للسوق الصحفية والإعلامية في الواجهة تحت رعاية “عباس كامل”، المدير الحقيقي للصحف التي تم تأميمها وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة في إدارة الأذرع الإعلامية للجيش.

الزاوية الأخرى للمشهد الإعلامي، انتهاكات يومية وممنهجة ضد 96 صحفيا في سجون النظام؛ أغلبهم على خلفية اتهامات بنشر أخبار كاذبة دون أي سند وانتهاكات بالجملة خلال عملية التغطية، ومحاولة لمنع أي صحفي غير موال من ممارسة عمله الميداني، بإشراف شرطي، بل هناك تعمد من كافة المؤسسات الرسمية لمنع الصحفي من ممارسة عمله وتحويله إلى أداة للعلاقات العامة؛ يكتفي بنشر البيانات الرسمية، ومن يتجاوز القاعدة يمنع من التغطية غدا في القاهرة. أما في سيناء، فالصحافة أم الجرائم. فالمنظومة التشريعية تجرّم نقل أي خبر من سيناء تحت بند دعم الإرهاب ودعم الجيش، ومن يتجاوز فمصيره المحاكمة العسكرية.

المشهد القاتم للصحافة في مصر هو امتداد لنموذج فاشي يؤمن به السيسي؛ يقوم على استنساخ إعلام “جوبلز” بتحويل الإعلام أداة دعاية بيضاء للنظام سوداء ضد معارضيه، لا مجال فيها لرأي مخالف تحت مظلة إعلام الحرب الذي روج له رأس النظام في خطابه الشهير، حين قال: “متسمعوش حد غيري”.”متسمعوش حد غيري”.

منقول

تعليقات الفيس بوك

تعليقات