نقلا عن الشروق
لا أعرف إن كان هشام جعفر؛ الباحث الجاد الخلوق، وصاحب التاريخ الطويل في مواجهة التطرف الديني فكريا سيغادر محبسه (الاحتياطي) بقوة القانون بعد أن يكون قد قضى فيه عامين كاملين يتمهما السبت القادم، أم أن شيئا مما جربناه قبل أيام في (إعادة) إعلان حالة الطوارئ؛ بعد ساعات من انقضائها (مع مراعاةٍ شكليةٍ لحرفية النص، لا مقصده أو روحه) قد يكون في الأفق؟
ـــــــــــــــــــــــــ
بعد أسبوع، وتحديدا في الحادي والعشرين من هذا الشهر يكون الزميل «هشام جعفر»، الكاتب الصحفي، والباحث الجاد، وصاحب التاريخ الطويل في المواجهة الفكرية للتطرف الديني قد أمضى في محبسه (الاحتياطي) على ذمة التحقيق عامين كاملين، وكما فهمت من محاميه، فالرجل (ككثيرين غيره) لم يستدع للتحقيق (الذي هو محبوس على ذمته)، طوال العامين غير مرات تعد على أصابع اليد الواحدة، وآخرها، حسب ما ذكر المحامي وورد في الموقع المخصص لأخباره (والعهدة على الراوي) كانت منذ ما قد يزيد عن العام ونصف العام (!) وأيا ما كانت دقة تلك الأرقام، التي تبقى في النهاية فى خانة التفاصيل، فواقع الحال أن الرجل سيكون قد قضى في محبسه (بعد أسبوع) عامين كاملين بلا محاكمة، بل وحتى بلا قرار اتهام، يحيله إلى المحاكمة.
***
ربما لا يوجد لدي ما أضيفه عن الصحفي المخضرم الذي كانت دوائر قريبة من الإخوان المسلمين قد نسفت مشروعه الفكري المتميز «لتجديد الخطاب الديني» قبل سنوات، والذي كان قد سبقني فى الكتابة عنه وعن مشروعه الطموح Islam online أساتذة (منهم مصطفى كامل السيد، وعمرو الشوبكى، وعمرو حمزاوى، وأحمد عبدربه، وحنا جريس، ومصطفى النجار، وكارم يحيى في الأهرام.. وغيرهم) ولكني هنا أكتفي، كما فعلت في هذا المكان من قبل بأن أنشر بعضا من أفكاره التي لا أعرف كيف (وتلك أفكاره) وجد طريقه في نهاية المطاف إلى سجن بلا محاكمة.
***
في رسالة مطولة كتبها من سجنه (نشرت قبل شهرين) يتحدث الباحث الجاد عن الأسس اللازمة لبناء مجتمع مصري يتصالح مع القرن الحادي والعشرين، فيشدد على المواطنة، «والحفاظ على الدولة المصرية»، وتجنب الطائفية، وإنصاف المرأة، لكنه يبدأ بالتأكيد على الاعتراف بالتعددية والتنوع في المجتمع المصري، بتقاليده وتراثه الممتد، ونخبته الرسمية وغير الرسمية، معددا مفاهيم تجانس النسيج المصري بحكم تقاليد ثقافة النهر، مضيفا إليها ثقافة المتوسط، وثقافة الهجرة إلى النفط وثقافة العولمة .. إلخ، وكيف أن ميدان التحرير ٢٠١١ كشف عن هذا التعدد والتنوع مع وحدة الأهداف والشعارات (حرية وعدالة وكرامة إنسانية وعيش/ تنمية)
وكان الباحث الجاد قد شارك منذ نحو عشر سنوات بدراسات متعمقة ضمها كتابان حررهما الدكتور عمرو الشوبكي، وصدرا عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وقت كان الدكتور عبدالمنعم سعيد يترأس مجلس إدارته. أحد الكتابين تناول «إشكاليات بناء تيار إسلامي ديمقراطي»، أما الثاني فكان عن «أزمة الإخوان المسلمين»، وتناول فيه هشام تجربة الإخوان فى العمل النقابي معتبرا أنهم نحوا منحى النظام الحاكم ذاته في محاولة «تأميم» العمل النقابي؛ سيطرة وتسييسا واستخداما «في محاولة لإيجاد منبر سياسي يتسم بالمؤسسية والعلنية» كحل لمشكلة الحظر الرسمي لنشاط الجماعة المستمر منذ عقود. ومنتقدا غلبة الممارسة السياسية الزاعقة والدعائية، والحرص على إشراك الرموز والقيادات الإخوانية. يلاحظ هشام في دراسته كيف غابت القدرة على «العمل المشترك» بين الإخوان والقوى النقابية والسياسية الأخرى فى ظل انعدام الثقة المتزايد بين الطرفين.
وبالإضافة إلى كونه واحدا ممن وقفوا بجهودهم عام ٢٠١٢ وراء إصدار «وثيقة الأزهر للحريات» المدافعة عن حقوق المرأة وحرية العقيدة، والنابذة لأفكار متطرفة كانت قد تسربت لمجتمعنا منذ سبعينيات القرن الماضي، كما بالإضافة إلى مشاركته في «لجنة العدالة الوطنية» التي أُنشئت بقرار من عصام شرف، رئيس الوزراء، لوأد رياح فتنة طائفية بدت نذرها في الأفق بعد أحداث قرية الماريناب/ أسوان وما تلاها من دماء أُريقت استعراضا للقوة أمام ماسبيرو. كان هشام جعفر منشغلا على الدوام (حتى جرى تغييبه خلف القضبان) بقضايا الحريات الدينية وقبول الآخر. في يناير ٢٠١١ قرأنا له في هذه الجريدة («الشروق»: ٨ يناير ٢٠١١) عن ما أسماه ظاهرة «فائض التدين»، والتي تسببت حسب ما ورد في مقاله في مجموعة من الظواهر الثقافية، وصفها بالخطيرة، وعددها فيما يلي:
ــ الحساسية للاختلاف الديني والثقافي بمعنى عدم الاعتراف بالاختلاف أو القبول به، ناهيك عن احترامه.
ــ التمركز حول الذات الثقافية ــ الدينية بمعنى الحكم على الآخرين وفق معايير الثقافية التي تحولت إلى معايير ضيقة.
ــ التمييز: التفرقة في المعاملة.
ــ التحامل: تشكيل لرأي أو موقف شعورى دون سبب أو تفكير مسبق أو معرفة كافية.
ــ النمطية والتعميم الثقافى / الدينى أى النظر إلى المسلمين والمسيحيين باعتبارهم كتلا مصمتة لا تحوى داخلها أى اختلاف أو تنوع.
وبعد أن يؤكد على قيمة التنوع، وحتمية قبول الآخر في مقاله هذا، يعود الكاتب الصحفي (المحبوس بتهمة التطرف) ليناقش في مقال آخر (يناير ٢٠١٢) مسألة الخلط بين الدعوي والسياسي عند الجماعات السلفية كما عند «جماعة» الإخوان، منبها إلى خطورة الخلط بين المطلق والنسبي، والذي تجلى ــ حسب ما يقول في مقاله ــ عند كثير من الحركات الإسلامية التي دخلت العمل السياسي «غافلة أو متغافلة أن لكل طرح مقتضياته وشروطه».
………
الثابت إذن، وبغض النظر عن تحفظي المبدئي على «المصطلح» الدعائي الرائج، فالخلاصة أنك لا يمكن أن تضع عنوانا لمشروع هشام جعفر (المحبوس منذ عامين بلا محاكمة) غير «تجديد الخطاب الديني»؛ العنوان / المصطلح الذي لأسباب مفهومة بات يملأ فضاءنا الفكري.. فهل هناك مفارقة أكثر من ذلك. وهل هناك إجابة أوضح من ذلك عن أسئلة العدل والظلم في مصر الآن؟
***
رغم أن الغرائب حولنا تراكمت، أكرر: حتى لم يعد هناك ما تستغربه في مصر (رحم الله المتنبي)، سيظل محيرا لمراقب مثلي، حتى وإن لم أكن قد عرفت هشام جعفر أو اطلعت على نتاجه الفكري، أن أجد اتهاما للرجل بالتطرف الديني، ثم أقرأ ما كتبه عنه دكتور حنا جريس؛ البرلماني القبطي من أنه «لو كانت هناك شهادة تعطى للمواطن الصالح في مصر لكان الأجدر بها هشام جعفر». ولمن لا يعلم، فقد كان الدكتور جريس (صاحب الشهادة) عضوا في المجلس الاستشاري الذي كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد اختار أعضاءه في ديسمبر ٢٠١١. شهادة الليبرالي القبطي عن هشام جعفر لم تختلف في مضمونها عن ما ورد في رسالة من «مجلس الكنائس العالمي» موجهة إلى الرئيس عبدالفتاح السيسي في ٢٨ أبريل ٢٠١٦ تستغرب أن يوصف الباحث القابع في السجن بلا محاكمة بأنه من مؤيدي الأفكار المتطرفة. رغم ما نعرفه من «التزامه بالعمل الإنساني ومشاركته الإيجابية في الحوار والتفاهم بين الأديان، وانشغاله بحل النزاعات».
**
لا نعرف ماذا سيحدث مع هشام جعفر بعد أسبوع. ولكننا نعرف أن السجن ذهب أو يكاد بما تبقى من بصره نتيجة لمرض مزمن فى العصب البصري. (فضلا عن قائمة طويلة من أمراض مزمنة وحادة لا مجال هنا لتعدادها).
لا نعرف ماذا سيحدث مع هشام جعفر بعد أسبوع. لكننا قرأنا ما كتبه من محبسه إلى إبنه، محدثا إياه عن أحفاده؛ «بذور هذا الوطن» كما يصفهم في رسالته. مشددا عليه أن يزرع فيهم «حب الوطن والانتماء إليه»، منبها إياه: «أنا لم ولن أكفر بهذا الوطن فلا تدعهم يكفروا به .. إن كفرت أو كفروا فحينها سأتيقن أن ضريبة سجني قد ذهبت سدى»
لا نعرف ماذا سيحدث مع هشام جعفر بعد أسبوع، ولكننا نعرف، كما كتبنا هنا من قبل أنه واحد من كثيرين. وأن قوائم «المنسيين» المحبوسين «احتياطيا» تلك طويلة جدا. فيها أسماء سمعنا عنها. وفيها آلاف من أسماء «مواطنين مصريين» ربما لم نسمع عنهم أبدا (ولكن دعواتهم عند الله مسموعة).
والحاصل أن في دولة لا تعرف الشفافية، لن نعرف أبدا عدد هؤلاء الذين هم في مثل حالة زميلنا (الصحفي). وفي غياب بيانات «حكومية» وأرقام «رسمية» عن عدد المحبوسين احتياطيا، لا يملك أصحاب الرأي مثلنا، مهما تحروا من دقة غير الاعتماد على ما هو متوافر من بيانات صادرة عن نقابة الصحفيين، أو المجلس القومي «الرسمي» لحقوق الإنسان، أو غيرهما من هيئات المجتمع المدني عن أعداد المحبوسين احتياطيا، وعن ظروف احتجازهم، وعن مدى مطابقة ما يجرى معهم من إجراءات لصحيح القانون، أو بالأحرى لروحه (أهمها التجديد الذي يبدو مفتوحا لقرارات الحبس).
يتحدث تقرير «موثق» صادر قبل أكثر من عام عن «وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية» عن أن أعداد المحبوسين احتياطيا لأكثر من عامين، وفي أربع محافظات فقط قد يصل إلى (١٤٦٤ مواطنا). وهم، حال حبسهم الطويل ذلك «أبرياء حتى تثبت إدانتهم»، كما يقول الدستور، والقواعد القانونية المستقرة. فهل هو «الاعتقال» بمسمى آخر، بعد أن نزعت المحكمة الدستورية من رئيس الجمهورية سلطته «المطلقة» في القبض والاعتقال دون التقيد بقانون الإجراءات الجنائية، والتي كان يتمتع بها بموجب المادة الثالثة من قانون الطوارئ، والتى قضت المحكمة في يونيو ٢٠١٣ بعدم دستوريتها (القضية رقم ١٧ لسنة ١٥ق دستورية)؟
السؤال يظل للأسف مطروحا بالنظر إلى عديد الحالات التي نخشى أن يتحول فيها الحبس «الاحتياطي» واقعيا إلى «عقوبة» في ذاته، سواء كان على ذمة تحقيق «يُفتح ولا يُغلق»، أو على ذمة محاكمة تطول لسنوات.
***
لا نعرف ماذا سيحدث مع هشام جعفر بعد أسبوع، ولكننا كنا قد قرأنا (وأشرنا هنا من قبل) في كتاب مهم للنائب السابق، ورئيس محكمة النقض الأسبق «القاضي» سري صيام (أصدرته «دار الشروق» ــ ٢٠٠٧): أن «الحبس الاحتياطي ينبغي ألا يتحول بحال إلى عقوبة، أو تدبير احترازي هو في مصاف العقوبات، وذلك التزاما بقواعد الشرعية الدستورية التي لا تجيز توقيع عقوبة إلا بحكم قضائي وبعد محاكمة عادلة تتوافر فيها للمتهم ضمانات الدفاع عن نفسه، كما يجب ألا يخرج عن طبيعته الاستثنائية، أو عن أهدافه التي حصرها الدستور في ضرورة وصون أمن المجتمع».
كما كنا قد قرأنا للدكتور أحمد فتحي سرور في تقديمه للكتاب ذاته ما نعرفه مما استقرت عليه محكمة النقض من قواعد للعدالة تقضي بأنه «لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس وحبسهم دون وجه حق» (الطعن رقم ٣٥٤٠٨ لسنة ٧٧ ق).
«لا يضير العدالة إفلات مجرم من العقاب بقدر ما يضيرها الافتئات على حريات الناس وحبسهم دون وجه حق» (الطعن رقم ٣٥٤٠٨ لسنة ٧٧ ق)
وقبل ذلك وبعده، كنا قد قرأنا (ووافقنا بأغلبية ٩٨٪) على دستور يقرر أن «الحرية الشخصية حق طبيعى، وهي مصونة لا تُمس» (المادة ٥٤)، قبل أن يؤكد هذا في مادته السادسة والتسعين بأن: المتهم «بريء» حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه.. وهو النص الذي يمثل الجوهر الذي نعرفه «لمعنى العدالة»، والذي تواترت عليه الدساتير المصرية، منذ أن عرفت الدولة المصرية الدستور (المادة ٦٧ من دستور ١٩٧١ مثالا).
***الحبس الاحتياطي
لأن العدل كما عرفناه «مجردا»، والعدالة كما عرفناها «عمياء»، يبقى من الواجب والضروري أن أؤكد أن هذا المقال ليس عن هشام جعفر تحديدا، وإن بدا غير ذلك. فالرجل، وكل من وردت أسماؤهم في هذا المقال، ليس أكثر من مثال أردت أن أضربه للكثيرين الذين نعرفهم، أو لا نعرفهم. والذين كان أن قادتهم «الهيستريا في مصر» إلى غياهب السجون، جَرَاء وشاية، أو تقرير أمني «نمطي» لا تتغير فيه غير الأسماء. وأغلبيتهم الساحقة «بلا محاكمة»، وأحيانا حتى بلا قرار اتهام.
ثم أعود لأذكر كل من يشكو ضائقة العيش، كما أولئك الباحثين عن الرخاء والاستقرار والرزق، بما عرفناه فى مأثوراتنا عن «البركة»، وبما تعلمناه من أمهاتنا عن «ما يذهب الرزق». وبما قرأناه في كتبنا عن ابن خلدون من أن «الظلم منذر بخراب العمران».
***
وبعد..مهدي عاكف
فلعلي لا أذهب إلى القول، رغم وجاهته بأن «الرحمة فوق العدل»، بل لعلي أكون متواضعا، أو واقعيا فأكتفي بالتذكير بما تعلمناه من كتب القانون وشيوخ القضاة الأجلاء من أن العدل «الحقيقي» فوق النصوص والأحكام والإجراءات، «تعسفا» في استخدام هذا النص أو ذاك («عصفا» بروح هذا القانون أو ذاك)، الأمر الذي ينشر في المجتمع ثقافة التشفي والانتقام، واللدد في الخصومة. وإلا فبالله عليكم هل توافر «العدل»؛ الذي هو إحساس لا مجرد نصوص، وهل توافرت «حكمة القانون»؛ التي تتلخص في الردع والحيلولة دون وقوع الجريمة، في ترك شيخ على أبواب التسعين يموت في محبسه مريضا؟ (عن مهدى عاكف أتحدث)، أو العودة بأحد شيوخ القضاة، بسيارة إسعاف إلى محبسه (الاحتياطي) بتهمة إهانة المؤسسة التي قضى فيها عمره؟ (عن المستشار الخضيرى أتحدث).
هل توافر العدل (الحقيقي) في ترك إسماعيل الاسكندراني، أو محمود حسين، أو غيرهما ممن لا نعرف في محبسهما (الاحتياطي) سنوات، أو حتى شهورا بلا تحقيق، أو حتى باتهام معلق بلا قرار إحالة إلى محاكمة تقضي بإدانة أو براءة؟
بل هل توافر العدل (الحقيقي)، ولا أقول «الإنسانية» في ترك هشام جعفر يفقد بصره في محبسه الاحتياطي، الذي امتد لسنتين على ذمة تحقيق لا ينتهي.
أستفتي ضمائركم..
أستفتي ضمائركم.. كما أرجو الله، الذي لم يبق لنا غيره أن يتدبر كل صاحب سلطة، وكل جالس على منصة عدل قوله (صلى الله عليه وسلم): «اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافرا فإنَهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حجاب».
ـــــــــــــــــــــــــ
لمتابعة الكاتب:
twitter: @a_sayyad
Facebook: AymanAlSayyad.Page

تعليقات الفيس بوك

تعليقات