أكتب هذه السطور وقد مر أكثر من 300 يوم على اعتقال الزميل محمود حسين الصحفي بقناة الجزيرة والذي دفع حريته ثمنًا غاليًا لثأر سلطة الانقلاب من قطر و«الجزيرة» بعد عرض فيلم «العساكر» الذي اعتُبر ضربة قوية للصورة الذهنية المتوارثة للتجنيد الإلزامي بمصر، لم يكن للرجل في الفيلم صورة ولا قلم لكن ذلك لم يردع ضمير القضاء الشامخ في أن ينظر بعين العدالة لإخراج بريء يقضي قرابة العام بأسوأ سجون مصر ظلمًا.

ربما يكون الزميل محمود حسين محظوظًا بوجود قناة كبيرة كالجزيرة تقف خلفه وتضع اسمه بشكل يومي في شريط أخبارها، آخرون غيره كانوا ضحايا للحقيقة عملوا مع «الجزيرة» من وراء حجاب من خلال «سماسرة» يقبعون في سجون السيسي ظلمًا ليس لهم إلا الله، بعدما أصبحوا رقمًا ضمن عشرات آلاف الأرقام.

شباب حملوا الكاميرا وعملوا مع الجزيرة و«أخواتها» من أعلام المقاومة، عبر وسطاء «السبوبة» فسُجنوا أثناء عملهم الميداني ولم يذكرهم أحد، إثبات الاتهامات الموجهة إليهم يدخلهم في اتهامات أخرى يلبسها لهم القضاء الشامخ بالتبعية كالخيانة العظمى والسعي لقلب نظام الحكم، هؤلاء المنسيون قضوا في السجن شهورًا وبعضهم بضع سنين.

أحد هؤلاء الضحايا أطلق عليه صحفي «عربية الكبدة» كان يعمل مع أحد «السماسرة» التابعين لقناة الجزيرة مباشر أخبرني من سجنه أنه كان يتقاضى 200 دولار شهريًا، ولست وحدي الذي يعلم أن المكافأة الشهرية لهذا الشاب أقل من سعر تقرير واحد مما يقوم به يوميًا ما بين جولة الأسواق أو استطلاع الآراء للمواطنين أو رسم صورة لواقع حياة مواطن بسيط من خلال الكاميرا، وهو ما أراده من تصوير صاحب عربية الكبدة، نهشت سلطة الانقلاب كبد أمه بالحسرة على شبابه واستمرار سجنه دون جريرة سوى حبه للإعلام وشغفه بالكاميرا.

لم يمهلوه الوقت الكافي فاختطفوه بكاميرته من وسط الشارع ليظهر بعدها بشهور ويجدد له السجن فتراتٍ امتدت لسنوات، أهل هذا الصحفي الشاب – الذي لا يزال يدرس بالجامعة ويعمل من أجل الإنفاق على دراسته – لا يجدون حتى 200 دولار شهريًا من القناة الكبيرة لتساعدهم في أعباء استمرار سجن ولدهم، اختفى السماسرة بعد سجنه، وتخلوا عنه، ربما استكملوا «السبوبة» مع ضحية جديدة.

أضاع جشع «السماسرة» حقوق هؤلاء الأبرياء وانطبق عليهم المثل المصري «أكلوهم لحمًا ورموهم عظمًا» فلا دعم يقدم لهم من أي نوع، بل وصلت الصفاقة بـالسماسرة معدومي الضمير إلى الإنكار التام لصلتهم بالضحايا، ربما ليحافظوا على مناصبهم في القناة الكبيرة التي لم تكن لتسمح يومًا بتلك التجاوزات، وأعتقد أنها لو علمت ما سمحت ولا سامحت من قام بذلك.

تجرع الشباب المجهولون المرارة وتحمل أهلهم الخسارة، خسارة فقدهم وفراقهم خلف الأسوار وفداحة النفقات والأعباء جراء استمرار هذا الظلم الممتد مع بعضهم سنواتٍ، ولا يعرف أحد متى ينتهي! (عندما يترنح الانقلاب خليك متفائل) تكاليف تجهيز زيارة أسبوعية للسجن وأتعاب محامين بالجلسات ورشاوى طوال العام بعنوان «كل سنة وأنت طيب يا بيه» لرجال الأمن والسجانين والمخبرين ليعاملوهم بإحسان ولا يمسوهم بسوء.

الشباب «غير المشاهير» الذين يقضون زهرة عمرهم بالسجون لعملهم بالصحافة أو دفاعهم عن الحريات يضربون أروع الأمثلة في التضحية وإنكار الذات، وأعتقد أن واجبنا تجاههم هو إعادة حقوقهم ومساندة أهلهم وتسليط الضوء على قضاياهم العادلة ومعاناتهم في زمن عز فيه الرجال وضاعت فيه العدالة.

أعتقد أن سياسة سجن الأبرياء لإشاعة الخوف ونشر الرعب بين مجتمع المثقفين والنخب السياسية وخاصة القائمين منهم على العمل الإعلامي والحقوقي وسيلة أثبتت جدواها لدى زبانية الانقلاب في مصر، فلا صوت يعلو الآن فوق صوت السكوت، في هدوء اختفى الصحفيون وتراجعوا من الشوارع، الهدوء أيضًا يسيطر على ميادين الثورة، يراه متفائلون هدوءًا يسبق العاصفة، ويراه آخرون حال مقبرة تضم أجسادًا ميتة تغيب عنها الروح.

نقhttps://s3.eu-central-1.amazonaws.com/sasapost/opinion/a-prisoners-message-to-social-person-by-nature.html

تعليقات الفيس بوك

تعليقات