(1)
من فرط العجب الذي تعيشه مصر، لم يعد هناك ما يثير العجب، فقد انتفض “العباسيون” قبل أيام قليلة ومنعوا صحيفة يومية من الطبع، حتى تحذف حوارا مع كاتب هذا المقال، في الحالات السابقة كان مسؤول الصحيفة يسأل عن أسباب المنع لحذف السطور التي تعترض عليها الرقابة (غير الشرعية) ثم يتم الطبع وتمر الأزمة، لكن المنع هذه المرة لم يكن للمادة المكتوبة بل للكاتب نفسه، لذلك لم تفلح محاولات اختصار الحوار إلى النصف، وتعطلت طباعة الصحيفة حتى تم تغيير صفحتها الأولى بسبب وجود عناوين الحوار، وتغيير صفحة داخلية كاملة تتضمن متن الحوار!
(2)
إلى هذا الحد يكرهني العباسيون؟
قبل أن أسترسل في التفكير وأفتش عن إجابة، اتصل بي “صديق نافذ”، ليبلغني الخبر، ويستخدمه كمدخل يكرر عن طريقه نصيحته التي تحولت مع الوقت إلى “تحذير صريح”: يا ابن الحلال ما تأذيش نفسك.. الرسالة واضحة انفد بجلدك. بعد دقائق من مكالمة “النافذ” هاتفني المحرر الذي أجرى الحوار معتذراً وموضحا، فأكدت له تفهمي للضغوط، وتضامني معه ومع الصحيفة، وبعد أن أغلق المحرر جاءني “صوتها”: خللي بالك من نفسك، ضدك حملة هجوم عنيفة.. لازم تشوف حل أو تخرج من البلد!. تذكرت أنها كررت نفس التحذير المستمر منذ عامين تقريبا، وتذكرتُ أنني في أبريل قبل الماضي كتبت عن أحد تحذراتها، ودفعني الفضول للبحث عن ذلك الحوار، ربما أعثر على خيط ما، أو أفهم حقيقة الخطر الذي يراه الناس ولا أراه بنفس الدرجة، فأهلي جميعا يعيشون في قلق، طالما اعتبرته حساسية زائدة، حتى فوجئت في الفترة الأخيرة بكثير من التصرفات المريبة التي تدعم مخاوفهم، حتى أن ابني لم يعد ينام إلا بعد أن تشرق الشمس، ليطمئن أنني في أمان، وذك منذ أن كشف مختار (حارس المسكن) أن “المباحث” تقيم في الشارع وترصد كل خطواتي، وتسأل عني: “واحد منهم طلب مني يطلع يشوف مكان الشقة ومداخلها، وأنا بصراحة خفت يكون الأستاذ جمال عليه اقساط ولا حاجة، فطلعته عند شقة الفنانة حياة قنديل عشان مقفولة، وقلت له أصلهم مسافرين ومحدش موجود، فشخط فيّ وقال لو كذبت تاني هناخدك احنا بنشوفه بيعدي من الشارع كتير!.
(3)
أعجبتني تهمة التهرب من الأقساط، وحاولت التندر عليها إلا أن الجو العائلي تعكر وتوتر، لولا زيارة موفقة من جاري عضو مجلس نقابة الصحفيين الذي نجح بذكائه ومحبته في تخفيف درجة التوتر، مؤكدا للعائلة المنزعجة أن هذه التصرفات الأمنية مجرد تحريات نمطية عادية لا تشكل أي خطورة، وقد ساعد على ذلك دعابة “التهرب من سداد الأقساط” التي يراقبني بسببها المخبرون، ومع ذلك لم تمر الليلة بسلام، فقد اتَصَلَتْ لتكرر تحذيراتها مرة أخرى: أرجوك ما تستهترش.. انت الكل بيهاجمك مش النظام لوحده.. وأنا تابعت بنفسي هجوم عليك من الإخوان وهجوم من الناصريين.. وقاطعتها محتدا في لحظة ضيق: مش هخرج.. مش هسيب البلد، وسادت حالة من الوجوم نتيجة انفعالي المفاجيء، ولما وجدت نفسي بمفردي تذكرت المقال الذي كتبته بعد واحد من تحذيراتها القديمة، ووجدته معبرا تماما عن الردود التي يجب أن أعلنها الآن، وكأننا نغوص جميعا في مجتمع التكرار والتشابهات، لذلك قررت أن أقتبس بعض الفقرات من ذلك المقال بنفس الصياغة، لأنني لا أملك ردا جديدا أو بتعبير مختار البواب “متهرب من الأقساط”.
(أ)
عزيزتي الخائفة من الهجوم ضدي
لا تقلقي، لم أعد أغضب من الهجوم، طالما يهاجمني الفرقاء، فأنصار السيسي غاضبون مني، ومعارضو السيسي غاضبون مني، والناصريون أيضا غاضبون مني.. لأنني ناصري بطريقتي الخاصة، وسيساوي بطريقة خاصة، وإخواني بطريقة خاصة، وشيوعي بطريقة خاصة، وسلفي بطريقة خاصة، وصوفي بطريقة خاصة، ومواطن بطريقة خاصة، وحزين بطريقة خاصة، وعدمي بطريقة خاصة، وعلمي جدا بطريقة خاصة، لأنني باختصار أمثل نفسي، ولا أتشبه بغيري، ولا أسعى لدخول شلة أو فريق، سأظل «أنا» هو «أنا» لا «أنت» ولا هو (كما كتبت من قبل)، لن أكون ابداً الاستاذ، ولا المدير، ولا الكبير، ولا الشهير، سأظل: العبدلله.. المواطن الفقير، الكريم، عزيز النفس، الذي لن يحني هامته إلا لله، ولمداعبة طفلة صغيرة.
(ب)
ما أكتبه في كل وقت يمثلني بلا توازنات بهلوانية، وبلا حسابات خفية لمصالح شخصية، وبلا خوف من سلطان، وبلا نفاق لحاكم، لن أدافع عن كلمة كتبتها باعتبارها هي الحق الوحيد، فكلماتي مجرد اجتهاد، واقتراحات، وتنبيه بقدر علمي ورؤيتي، لكن ما أدافع عنه في كلماتي، هو «الصدق»، فأنا أكتب بصدق بصرف النظر عن مردود المقال عند القارئ العادي أو أقطاب السلطة، أو الأصدقاء أيضا، لذلك أظل على خلاف مع الجميع، ولم يعد يزعجني هذا الخلاف، بل أشعر أننا بحاجة للتدريب على ممارسته، لأنه مظهر أساسي من مظاهر الحرية والديمقراطية التي نطلبها بكثير من الكلام وبقليل من الوعي والفعل.
(ج)
هذه الكلمات ليست مقالاً، بالمعنى التقليدي، لكنها ضرورية لضبط الاتجاهات، وضرورية للمطالبة بوقف الهجوم الأعمى، والانتقاص، والتشكيك، والهدم، الذي انتشرت معاوله، وتكاثر عُمّاله، في ظل غياب المهندسين، وماكيتات البناء، ففي الخرائب عادة تكثر النفايات، ويعلو نعيق البوم، وتشيع الحاجة للهدم أكثر من البناء؟
أيها الأعزاء.. يا شركاء المرحلة، وشركاء الهزائم المتوالية، والهواء الفاسد، والماء الملوث، والفواتير الجالبة للهم، والحكام الذين يرفعون الضغط، اتكلموا.. قولوا، لكن ايضا فكروا، وتأملوا، وتعلموا، فلن نغير حياتنا بالشتائم والسباب فقط، ولكن بالحوار، حتى لو انطلق من أرضية الخلاف والاختلاف.. يا أحباب الوطن/ كفاية شتائم.. تعالوا إلى كلمة سواء.. لقد قرأت الكثير من الشتائم، وكل عشمي أن نكتفي بهذا القدر من السباب الذي يورث العناد والكفر، وأن نبدأ معاً مرحلة الحوار.
(4)
كيف أتمكن من تسديد الأقساط؟
انتهى الاقتباس، لكن المقال لم ينته، فقد شغلتني رؤية البواب لي بأنني “متهرب من سداد أقساط ديون متأخرة”، وبعد قليل من التفكير لم أعتبر تفسيره “دعابة ناتجة عن سذاجة”، بل “رسالة ناتجة عن براءة”، وغمرني شعور مسيطر أن “مختار البواب” يراني مقصراً في أمور أدركها بإحساسه وملاحظاته عن سلوكي، إذ لا يمكن أن تكون رؤيته نابعة من الفراغ، وقد هيأني هذ الخاطر لقبول فكرة أنني مدين لكل من يهاجمونني بشيء ما، ربما توقعوه مني ثم لم يجدوه عندي، وعزمت أمري أن أفكر في تلك الديون المستحقة لأصحابها، وأبحث عن طريقة لسدادها، بدلا من استمراري في التهرب.

أسأل الله التوفيق والسداد
نقلا عن الجزيرة مباشر

تعليقات الفيس بوك

تعليقات