الكاتب الصحفي سليم عزوز

نقلا عن عربي 21

أكثر ما يميز انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين المصريين، التي ستجري في مارس المقبل من هذا العام، هو محاولة اختلاق موضوع، في مشهد يفتقد لذلك؛ فهي انتخابات تفتقد للعنوان وللموضوع معا.

في الأسبوع الماضي، أُغلق باب الترشيح لانتخابات تجري على نصف مقاعد المجلس المكون من (12) مقعدا، كما تجري على موقع النقيب أيضا، والمعركة الأشد كما هي العادة على الموقع الأخير في كل انتخابات، والتي هي محصورة بين وكيل النقابة السابق، “عبد المحسن سلامة”، والنقيب الحالي “يحيي قلاش”، وهما ينتسبان للصحافة القومية، حيث يعمل الأول بجريدة “الأهرام” بينما يعمل الثاني في مؤسسة دار التحرير، فلم يحدث أن فاز بموقع النقيب من يعمل في الصحافة الحزبية أو الخاصة، وإذا كان يقال في الأفراح ” العروسة للعريس والجري للمتاعيس”، فإن “المتاعيس” هم في الصحف الخاصة والحزبية، وقد أغلقت الكثير من الصحف الحزبية في السنوات الأخيرة، ليزداد أعداد المتعطلين، بدون حل لمشكلتهم، وإن كانوا يصبحون مع كل انتخابات وقودا لها، تداعبهم الآمال العريضة بأن هذا المرشح دون غيره قادر على حل مشكلة تعطلهم بدون وعد ممسوك!

اللافت أن “الأنصار” هم الذين وضعوا عنوان المعركة الانتخابية، بين طرفيها، وللدقة فإن “أنصار” أحدهم هم الذين اختاروا العنوان للمرشحين بديلا عنهما، فمرشحهم قريب من السلطة، وبعيد عن السياسة، وبالتالي فإنهم مع أن تكون نقابة “خدمية”، فقد أرهق النقيب الحالي النقابة بدخوله في معارك عنترية ضد السلطة، لأنه أرادها نقابة سياسية، مما كان سببا في تمزيق الجسور الممتدة مع أهل الحكم، والصحفيون يريدونها نقابة “خدمية” لا سياسية، هكذا يقولون!

وإلى الآن، لم يعلن الزميل “عبد المحسن سلامة” عن برنامجه الخدمي، الذي سيحققه إذا فاز في هذه الانتخابات، فالأجيال الجديدة، تسمع عن الخدمات النقابية، التي كان يقدمها المرشح الحكومي لمقعد النقيب دون أن تستفيد منها، مع العلم أن السلطة لم تعلن مرشحا لها كما كان يحدث في الانتخابات التي أجريت في عهد مبارك، والتي تكون بزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا الشهري، أو بقطع أرض من أراضي الدولة، أو بشقق من محافظة القاهرة ووزارة الإسكان، أو بمدافن وقد صار الحصول على قبر غاية لا تدرك!

وإذ كانت الحكومة تعد بزيادة “بدل التدريب” هذا، فإنها كانت تحرص على القول بأنها قررته في جميع الأحوال، وعندما سقط مرشحها “صلاح منتصر” ونجح مرشح الاستقلال “جلال عارف”، فإن البدل المقرر كوعد انتخابي للأول استفاد منه الصحفيين مع نجاح الأخير، بل إن زيادة البدل في عهد “عارف” كانت لأكثر من مرة وبدون طلب منه، فالسلطة كانت في هذه المرة حريصة على “مد جسور الثقة” معه، وقد منحته عشرين مليون جنيه لتمويل صندوق المعاشات وسداد ديونها للبنوك، وكانت قد بدأت السحب على المكشوف!

“نقيب الجسور الممدودة”، كان شعار “إبراهيم نافع” الذي لازمه منذ أن ترشح لأول مرة لموقع نقيب الصحفيين، في سنة 1984، وتبادل الموقع لأكثر من عشرين عاما مع “مكرم محمد أحمد”، إذ ينص قانون النقابة على أن دورة النقيب عامين، ولا يجوز للنقيب أن يشغل الموقع لأكثر من دورتين. وإذا كانت النقابة تفخر بأنها مستقلة عن السلطة، فقد أراد “نافع” أن يثبت أن الاتهام في حقه بأنه مرشح حكومي لا يضيره، لأنه وباعتباره “نقيب الجسور” مع السلطة يستطيع أن يحصل منها على امتيازات للصحفيين ، بما لا يمكن أن يحصل عليه النقابي الطبيعي!

وقد حصل في الدورات التي شغلها على الكثير من الامتيازات فعلا، وغابت الشفافية عند توزيعها، فالامتيازات التي يعلن عنها وتمنح أيضا بعيدا عن قواعد الشفافية، هي أقل من التي حصل عليها فعلا، فغير المعلن كان يوزع على من كان يطلق عليهم “المليشيات” والمؤلفة قلوبهم، إذ كان يؤمن دائما بأن لكل صحفي سعرا، يبدأ من “الأجندة” السنوية، وينتهي بإلحاقه بالعمل بـ “الأهرام”، واستطاع أن يسيطر على المشهد الصحفي، لدرجة أن يخوض الانتخابات بقائمة ضمت صحفيين مهنيين ورؤساء تحرير لصحف معارضة، وفي العهود السابقة كان هناك رجال دولة ينتمون للسلطة، وهم يختلفون عن رجال الأمن الذي تمددوا في المشهد في عهد جمال مبارك، وهذا ما خفف من وطأة الإحساس بمولاة السلطة عند انتخاب مرشحها.

فإبراهيم نافع بحكم كونه رئيسا لمؤسسة صحفية كبرى هي “الأهرام” كان يقدم تسهيلات في طباعة الصحف الحزبية، ولم يكن يدير الأمور وفق قواعد الأمن، وكانت الأمور مركبة وليست بسيطة بالشكل الذي يريح العقل الكسول، فحمدين صباحي مثلا، فاز وهو المعارض الناصري لعضوية نقابة الصحفيين على قوائم “إبراهيم نافع”، وكان الأقرب لـ “صباحي” زميله “الناصري” ومرشح الاستقلال المنافس لنافع “جلال عارف”، وفي الانتخابات السابقة لهذه الانتخابات، فإن “عارف” كاد أن ينجح، بعد أن أصدر “سمير رجب” كاتب السلطة تعليماته لمن يعملون في مؤسسة “دار التحرير” التي يتولى أمرها بانتخاب “جلال عارف” نكاية في “إبراهيم نافع”، وهو ما اكتشفه “نافع” في منتصف نهار يوم الانتخابات، فاتصل بالرئاسة، التي وبخت “رجب” على فعلته، فذهب للنقابة ليجلس مع “إبراهيم نافع” في حديقة النقابة بالمبنى القديم، وكانت رسالة بالموقف الجديد، لمن لم يدلي بصوته بعد من صحفيي دار التحرير!

وقد يبدو غريبا للبعض، أن حملة صحفية ضد “سمير رجب”، كان يقف وراءها “إبراهيم نافع”، لأن “رجب” طمع في منصبه عندما أقترب من الوصول للسن القانوني للإحالة للمعاش، ومعلوم أن “نافع” استمر في موقعه بالمخالفة للقانون لأكثر من خمسة عشر عاما!

زواج المتعة بين النقابة والسلطة على يد إبراهيم نافع، كان سببا في أزمة النقابة الحالية، التي لم تعمل في سنوات الرخاء على تحقيق الاستقلال المالي، فظلت تعتمد في تمويل صناديقها ومنها صندوق المعاشات على وزارة المالية، ولم يكن مقدرا لها أن تحقق الاستقلال عن السلطة، وإذ ارتفع من يوصف في الوسط الصحفي بأن عدد كتاب مقالاته أكثر من عدد قرائها إلى الرمز الصحفي المهيب، بما ضمن له الفوز المستمر بموقع نقيب الصحفيين، وارتكب ما عرف بإفساد الجدول ليضمن النجاح؛ فقد كان الثمن فادحا.

لقد شهد عهده قيد السكرتيرات، وغير الصحفيين في جداول النقابة، ولدرجة أنه قيل في عهده: لا يوجد من يعمل بمؤسسة “الأهرام”، ولو بعيدا عن المجال الصحفي لم يتم قيده في النقابة، إذا استوفى الشكل الخاص بالحصول على مؤهل دراسي عال، وهو من شروط العضوية في نقابة الصحفيين بحسب قانون النقابة.

عندما تحول إبراهيم نافع إلى قيمة، فإن من يختلف معه لم يجد من يحنو عليه، وإذا حمل عليه الصحفي بـ “الأهرام”: “موسي جندي” كاشفا تدميره للنقابة ولـ “الأهرام”، وكتب مقالا حمل عنوان “بلاغ للنائب العام”، فإن هذا المقال لم يجد طريقه للنشر حتى في صحف اليسار الذي ينتمي إليه “جندي”، وإذا اعتمد صاحبنا على المنشورات التي كان يوزعها على الصحفيين ضد هذا الفساد، فقد أصدر نافع قرارا بمنعه من دخول “الأهرام”، وخذله الكتاب الكبار في المؤسسة مثل “لطفي الخولي”، فمات مكلوما!

والذين يتحدثون الآن على ضرورة أن تعود النقابة “خدمية” كما كانت في العهود السابقة، وباعتبار أن هذا لن يحدث إلا بالعودة لنقيب “الجسور الممدودة”، هم يبنون تجربتهم على سمعوه!

فإذا كانت هناك امتيازات كان يحصل عليه جميع الصحفيين مثل تخفيض أسعار الطيران، وعدد من المكالمات الهاتفية المجانية (ربما لا يزال هذا الامتياز قائما حتى الآن) فإن الامتيازات الأخرى كان توزع على أصحاب الصوت العالي، ولأسباب انتخابية، فيحصل أحد الصحفيين على أكثر من قطعة أرض من الأراضي الممنوحة للنقابة، ويحصل آخر على أكثر من عشرين شقة من الإسكان الشعبي، بينما يموت أحد الزملاء ويترك أبناؤه في الخلاء، بعد أن باع شقته للإنفاق على علاجه في فترة مرضه!

لا علينا، فربما يعتقد البعض أنه يستطيع تحقيق حضورا نقابيا يجعله من الذين يفوزون بالامتيازات، لكن فاتهم أن زمن الامتيازات قد ولى زمانها، ليس لانتهاء زمن إبراهيم نافع، ولكن لأن السلطة الحالية، لا ترى نفسها بحاجة إلى كسب رضا نقابة الصحفيين أو غيرها من النقابات أو الأحزاب، وهناك نقابة جديدة أنشئت هي نقابة الإعلاميين ستطالب بالمعاملة بالمثل وهذا حقها!

في تقديري أن الحديث الآن عن نقابة خدمية في مواجهة نقابة سياسية، هو كلام لا محل له من الإعراب، فالسلطة لم تعلن مرشحا لها، ولا يوجد من بين المرشحين من أعطته الحكومة امتيازا، أو وعد بامتياز، فحديث الامتيازات يطلقه الأنصار فقط، وهو نوع من التضليل الذي يمارس في الحملات الانتخابية، فالمنافس الآخر ليس مشغولا بفكرة النضال، وموقعة اقتحام قوات الأمن للنقابة فرضت نفسها عليه، وعندما احتشد الصحفيون في نقابتهم وأجبروا مبارك على إسقاط قانون الصحافة 93 لسنة 1995، لم يقل لهم أحد أن هذا ادعاء للنضال أو الدخول في معركة مع السلطة سيخسر بسببها الصحفيون.

وأنصار فكرة “نقابة الخدمات” مطالبون بذكر ما حصل عليه الصحفيون من هذه السلطة، في عهد النقيب “ضياء رشوان” وهي النقابة الوحيدة التي ذهب مجلسها ونقيبها للقصر الرئاسي لبيعة “المؤقت” عدلي منصور، وتأييد الانقلاب العسكري الذي وقع في يوم 3 يوليو. فالواقع أنها لم تحصل على شيء!

وإذا كان يتم تقديم “يحيي قلاش” من أنصار المرشح “عبد المحسن سلامة” على أنه من جماعة النضال، فاللافت أن المحسوبين على النضال من أعضاء الجمعية العمومية يتهموه بالتخاذل فلم يواجه السلطة بقوة بعد واقعة اقتحام قوات الأمن للنقابة وبدا مترددا ومتلعثما بعد إحالته واثنين من أعضاء المجلس للمحاكمة!

اللافت مع حملة الاستقطاب هذه أن القضايا المهنية اختفت، وهي التي تعد الفريضة الغائبة في هذه الانتخابات!

2

الإخوان المسلمون هم الحاضر الغائب في انتخابات الصحفيين المصريين هذه المرة والتي ستجرى في الأسبوع الأول من شهر مارس المقبل!

فأنصار “عبد المحسن سلامة” المرشح لموقع نقيب الصحفيين رموا المنافس والنقيب الحالي “يحيي قلاش” بأن مرشح الإخوان، أو أنه عقد صفقة مع الإخوان!

والنقيب السابق “ضياء رشوان” قال في بيان انسحابه من هذه الانتخابات، إنه يشرف بخوضه الانتخابات في السابق، ضد مرشح السلطة ومرشح الإخوان، وإذا علمنا أنه يقصد بمرشح السلطة “مكرم محمد أحمد”، فقد كان سؤالنا من يقصد بمرشح الإخوان؟.. لاسيما وأن منافسه في الانتخابات التي فاز فيها لم يكن سوى المرشح الحالي “عبد المحسن سلامة”!

يقال إن الإخوان، وإن لم ينافسوا على الانتخابات التي سبقت الانقلاب مباشرة، بعد انسحاب النقيب “ممدوح الولي” من الترشيح، فقد انتخبوا “عبد المحسن سلامة”، لأن العداء بينهم وبين “رشوان” كان واضحاً، ومع ذلك فإن أنصار “سلامة” عملوا على التشهير بـ “يحيى قلاش” بتهمة أنه مرشح الإخوان، ونشر موقع “صدى البلد” خبراً عن لقاء جمع “قلاش” واثنين من الصحفيين المحسوبين على الإخوان في منزل الصحفي الإخواني “محمد عبد القدوس” للتنسيق للانتخابات، وهو الخبر الذي تبين عدم صحته، بيد أن التلفيق يأتي اتساقا مع القاعدة الجديدة التي تقول إذا أردت أن تضرب خصمك في مقتل فاتهمه بأنه من الإخوان أو حليفاً لهم!

مالك “صدى البلد”، محطة تلفزيونية وموقع إلكتروني، هو النائب عن الحزب الوطني المنحل، “محمد أبو العينين”، تم تقريبه في حكم الإخوان واصطحبه الرئيس محمد مرسي في طائرة الرئاسة ضمن الوفد المصري الذي سافر للصين في فترة حكمه، لكنه يتنكر لهذا الآن!

و”أحمد موسى” مقدم برنامج على “مسؤوليتي” على قناة “صدى البلد”، والذي أيد “عبد المحسن سلامة” لأن “يحيى قلاش” مرشح الإخوان، هو نفسه سبق له أن ترشح لعضوية مجلس النقابة، ولم يكتف بمقابلة المسؤول عن الملف الصحفي بالجماعة، وإنما التقى بالمرشد العام في مقر الجماعة، وخلع حذائه على باب المقر، وصلى الظهر مأموماً للمرشد، من أجل أن يحصل على تأييد الجماعة في هذه الانتخابات، وبجانب الإخوان، القدم في القدم والكتف في الكتف!

و”ضياء رشوان” الذي يفخر الآن بأنه ترشح ضد مرشح الإخوان هو نفسه حصل على تأييد الإخوان في الانتخابات التي خاضها ضد مرشح السلطة – بحسب كلامه– الأستاذ مكرم محمد أحمد!

فلم يتم التعامل في السابق مع التأييد الإخواني على أنه جريمة وطنية، من كافة الأطراف، ولم يكن الأمر تحكمه الإنحيازات السياسية، فكل انتخابات في النقابة لها ظروفها، التي تحكم اتجاه الإخوان وغيرهم، وكانت الاعتبارات الحاكمة هى مهنية ونقابية، لاسيما عندما كان إبراهيم نافع هو مرشح السلطة، والذي كانت قائمته تضم مرشح الإخوان كما كانت تضم قائمته اليسار وغيرهم، وعندما ترشح “مجدي أحمد حسين” رئيس تحرير جريدة “الشعب”، حليف الإخوان، على موقع النقيب، فإن الصوت الإخواني ذهب إلى “إبراهيم نافع”، وكذلك الأمر عندما ترشح “جلال عارف” معبراً عن تيار الاستقلال بالنقابة!

ولم يكن أحد يعتبر أن ذهاب الصوت الإخواني لمرشح السلطة مما ينتقص من القدر، فظروف الانتخابات في نقابة الصحفيين لم تكن محكومة بقواعد المشهد السياسي خارجها، فالنقابة لها قواعد خاصة حاكمة لانتخاباتها، وفي الانتخابات التي جرت منذ عامين، كانت المنافسة بين “ضياء رشوان” و”يحيي قلاش” وهما ينتميان للتيار الناصري، و من المؤيدين لـ 30 يونيو وما أنتجته. لكن أصوات الإخوان ذهبت إلى “قلاش”، لأن النقابي في شخصيته هو الطاغي، في حين  أن “رشوان” أدار النقابة كما لو كانت فرعاً للشؤون المعنوية بالجيش، وجند مؤسسي حركة “تمرد” لصالح العسكر، ورتب لهم لقاءات مع أجهزة الأمن!

وعندما سقط “ضياء رشوان”، كانت البلاد تعيش في مرحلة الاستقطاب، وكان سقوطه دليلا على تغير المزاج العام، فالصحفيون وإن كانوا في غالبيتهم مع الحكم الحالي، فإنهم ليسوا مع الذوبان المجاني فيه، ولم يتحقق للنقابة ولأعضائها مكاسب من جراء ذلك، ولم تكن المفاجأة في نجاح “يحيي قلاش” فقط، وسقوط من كان يفخر بأنه مرشح حكم العسكر، ولكن في فارق الأصوات الكبير بينهما، فبينما حصل رشوان على (1571) صوتا، فإن “قلاش” حصل على (1998) صوتاً، وقد عبر عن هذه الدهشة الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل، وبدا منزعجاً لأن في هذه النتيجة الصادمة خسارة لاختياره السياسي، وفي اتصالاته بالصحفيين المهتمين بالنقابة كان يسأل عن دلالة هذا الفوز؟!

الصحفيون الإخوان، الذين يتهم “يحيي قلاش” بأنه مرشحهم، لا ينحازوا له، وهم يرون أن “قلاش” لم يكن على مستوى الآمال المعقودة عليه، فلم ينجح في مهمة الإفراج عن الصحفيين المعتقلين، كما أنه لم ينجح في التمكن من زياراتهم أو تمكين أسرهم من الزيارة، وبذل جهداً لم يكلل بالنجاح، وكانت الجهود في البداية مما يُذكر فيشكر، لأن النقابة في عهد سلفه كانت تتجاهل تماماً مسألة الصحفيين المعتقلين بل لا تسمح بإقامة مؤامرات بداخلها للانحياز لهم، ولم ترسل محاميها لحضور محاكمتهم!

البعض منهم ليس مهتما بمعركة النقيب، والبعض قد يعطي صوته لمن يوصف بأنه مرشح الحكومة، وفي أجواء بائسة كالتي تعيشها مصر، لا يمكن لوم من صدق وعود مرشح بعينه بقدرته على الإفراج عن المرضى من الصحفيين المعتقلين، أو بتحسين شروط السجن لمن سيبقى منهم، فوجود أمال ولو كانت سراباً لفترة أفضل من انعدام الأمل، في حال نجاح “يحيي قلاش” وقد وقفوا على حدود جهده، وتبدو السلطة لديها رغبة في إسقاطه ولن تستجيب له إذا نجح في شيء يخص الصحفيين المعتقلين، وهناك من يتهمه بأنه أخطأ عندما اصطدم بالسلطة في موقعة اقتحام النقابة، فكانت القطيعة معها ليست في صالحهم!

معركة اقتحام النقابة فرضت نفسها على “قلاش” وقد حاول إدارتها بهدوء، لكنه واجه سلطة لا تقبل من الشعب إلا الانبطاح، وخسر بهذه الإدارة تأييد جناح لا يستهان به من اليساريين. ومن يرفضونه من قوى رفض الانقلاب لا ينسون له أنه سعى لدعوة السيسي للاحتفال الذي أقيم بمناسبة مرور 75 سنة على تأسيس النقابة، لكنهم في المقابل لا يجدون غضاضة في تأييد مرشح الدولة العميقة، فلا تنسى أنهم وإن كانوا صوتوا لصالح “قلاش” من قبل فقد كان هذا على مضض، لإسقاط “ضياء رشوان” المتماهي مع السلطة بدون خجل أو وجل!

هل أبالغ إذا قلت أن مشهد 30 يونيو يتكرر في نقابة الصحفيين، مع تغيير في المواقع؟!

فالفريق أحمد شفيق يمثله في حالة نقابة الصحفيين، “ضياء رشوان”، فهما ينتميان للنظام المرفوض من الثورة والثوار!

والدكتور محمد مرسي يمثله “يحيي قلاش” والأول تم انتخابه من قبل تيارات سياسية وثورية بهدف إسقاط مرشح دولة مبارك، فيما عرف بظاهرة “عاصري الليمون”، تماما كما تم انتخاب “يحيي قلاش” من باب رفض “ضياء رشوان”، فالإخوان لا ينسون لقلاش أنه كان منافساً لمرشحهم ممدوح الولي، وهو ينتمي للتيار الناصري الذي خرج في 30 يونيو، وفي فترة حكم الإخوان لم يكن مرحباً به على أي مستوى فلم يفاتح وهو النقابي القديم في عضوية المجلس الأعلى للصحافة التي منحت لخالد صلاح وإبراهيم حجازي، ولم يفاتح في رئاسة تحرير جريدة “المساء” التي يعمل فيها. وقد يرفض ولكني أقصد  أن الرغبة في التعاون لم تكن مطروحة!

وكما سقط شفيق ونجح مرسي، فقط سقط “ضياء رشوان” ونجح “قلاش”، لندخل في جولة ثانية من المعركة!

وكما قام “عاصرو الليمون” بالتحالف مع الدولة العميقة لإسقاط مرسي، فإن كثيرا من رفضي الانقلاب لا يمانعون في التحالف مع هذه الدولة وقد ظهر رجال أعمالها في المشهد، يدعمون مرشحها، فالمهم ألا ينجح “قلاش” المتهم بأنه لم يكن ثوريا كما ينبغي، وهو الاتهام الذي وجه لمرسي وجماعته الذين باعوا القوى الثورية في محمد محمود. حتى وإن مثل هذا الخيار ضياع النقابة نفسها، مثلما لم تكترث جماعة 30 يونيو بضياع الثورة!

لدى كثير من التحفظ على أداء “يحيي قلاش” منذ أن كان عضواً بمجلس نقابة الصحفيين، لكني الآن أرى شجراً يمشي، وأن المعركة الآن لا تستهدف عودة النقابة كإدارة تدار من قبل الشؤون المعنوية، عندما تصبح الرتبة واحدة وهى “النقيب”، لا فرق بين “نقيب الصحفيين”، و”نقيب الجيش”، فالخطر هو إنهاء النقابة تماما وتحويلها كما كان يراد لها في عهد السادات إلى ناد أو إلى شعبة بالمجلس الأعلى للصحافة، (المجلس الأعلى للإعلام )الآن، وإن بقيت قائمة من حيث الشكل!

في كل انتخابات في النقابة لاسيما في السنوات العشر الأخيرة، يتم النظر للصحفيين الإخوان أكثر من عددهم الحقيقي، وفي الواقع هم لا يزيدون عن (150) صحفياً بالمعتقلين والمسافرين للخارج من جملة (8) آلاف و (540) صحفياً لهم حق التصويت، لكن كان يتم حساب قوتهم على القدرة في تأثيرهم على الآخرين، وقد كانت جبهة الإنقاذ تمثل الأقلية السياسية أيضا!

في مقالي السابق، كتبت أن “الفريضة الغائبة” هى القضايا المهنية، اليوم وبعد ظهور رجال أعمال النظام، فإن “الفريضة الغائبة” هى النقابة وعملية الحفاظ عليها، وهو ما لم تتعهد به جميع البرامج المطروحة من قبل المرشحين سواء لعضوية المجلس أو لموقع النقيب!

فهل تكون هذه بداية النهاية لهذا الصرح التاريخي في مصر المسمي بنقابة الصحفيين؟!

في مشهد 30 يونيو، كما في المشهد الحالي، كنت أنظر إلى السائرين إلى حتفهم “كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون!

لا تنسى أن المجلس الجديد هو من سيتولى عملية تعديل قانون النقابة وفي وجود البرلمان الحالي فقل يا رحمن يا رحيم على نقابة الصحفيين!

تعليقات الفيس بوك

تعليقات