في ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان حذرت ورقة بحثية لمرصد “صحفيون ضد التعذيب” بعنوان “نخشى أن يتحول الإعلام المصري إلي بيانات رسمية؟” في ظل تكميم الافواه وتضييق المجال على الحريات الصحفية ومهمة الاعلام في نقل الحقائق كما يرصدها وليس كما يلقنها له النظام.
وقالت الورقة ان السيسي عندما قال في أحد لقاءاته”يابخت عبدالناصر بإعلامه” لم يكن مجرد رأيًا عابرًا ولكنه كان توجها لصناعة نوع ذا صوت واحد من الاعلام كما في عهد الرئيس “جمال عبدالناصر” حيث لم يكن فى مصر إلا إعلامًا واحدا تابعًا للدولة، لدرجة أن ملايين المصريين ظلوا أربعة أيام متصورين أن الجيش المصرى يحقق انتصارات ساحقة على الجيش الإسرائيلى مع أن الحقيقة كانت العكس ، وقتها لم يكن فى مصر أى شكل من أشكال الإعلام الخاص أو المستقل أو المعارض يقول معلومة مختلفة عما تقوله السلطة الرسمية.
وقالت الورقة البحثية ان تساءلها عن إمكانية أن يتحول الإعلام فى إلى بيانات رسمية لم يكن وليد ممارسات هذا العام فقط 2017 وإنما هو وليد لممارسات حدثت على مدار الخمس سنوات السابقة وأكدته ممارسات هذا العام
واجملت الورقة ملاحظاتها في عدة نقاط منها
أوًلا: عادة ماتكون مناطق الاشتباكات المسلحة من أكثر المناطق جاذبية للصحافة والإعلام، نظًرا لتسارع الأحداث بها وأعداد القتلى والمصابين من الأطراف المتحاربة التى تستحوذ على اهتمام الرأى العام، فى مصر منذ بداية الأحداث تقريبًا فى منتصف 2013 ممنوع على الصحفيين دخول شمال سيناء وتغطية حرب الجيش والشرطة مع من يوصفون بالجماعات الإرهابية المسلحة،مما يضطر الرأى العام إلى الاعتماد فقط فى المتابعة على البيانات الرسمية التى تصدرها السلطة الرسمية والقوات المسلحة.
ثانًيا: إذا حاولت أن تجتهد كصحفى أو كباحث بأن تدخل إلى شمال سيناء وتستقى معلوماتك بشكل مستقل،لتعرض صورة مختلفة عما تنقله البيانات الرسمية،فقد تُتهم بإذاعة بيانات كاذبة مثلما حدث مع الصحفى أحمد أبودراع الذى تم الحكم عليه بالحبس 6أشهر مع إيقاف التنفيذ والباحث إسماعيل الإسكندرانى المحبوس احتياطًيا لأكثر من عامين بنفس التهمة على ذمة القضية.
ثالثًا: إذا قررت أن تبتعد عن المشاكل السابقة وتعمل على تغطية أحداث أخرى بعيًدا عن شمال سيناء فأنت أيضًا لا تضمن أن تصل إلى كل الأخبار والمعلومات ، إثرًا علي تحليلنا للتقارير السنوية التي يصدرها المرصد بخصوص الانتهاكات التي تلحق بالصحفيين نهاية كل عام فى الأربع سنوات الأخيرة، لاحظنا أن المنع من التغطية يشكل دائمًا النسبة الأكبر من هذه الانتهاكات، موزعين على كل الأماكن فى الدولة (محاكم -وزارات -أندية -برلمان –نقابات-لجان انتخابية-ميادين عامة..إلخ) ،وحتى لو كنت تحمل تصريحًا بالتغطية ، فقد تُمنع أيضًا بقرار من قاضى أو ضابط شرطة، وبالتالى ليس أمامك كرأى عام أو كصحافة إلا أن تنتظر ماسينقله المسئول الرسمي من بيان عن هذا الحدث.
رابعًا: إذا كنت من تعساء الحظ الذين قادتهم أقدارهم إلى تغطية التظاهرات والاشتباكات بين عامى 2011 و2014، فهناك عشرة صحفيين قُتلوا فى هذه الاشتباكات، لم يُدان متهم واحد بقتلهم رغم مرور بضع سنوات على مقتلهم،وآخرون محبوسون أو محتجزون احتياطيا أشهرهم المصور الصحفى محمود شوكان، المحبوس منذ أربعة سنوات ولا يزال ينتظر نهاية لمحاكمته المستمرة (مجرد محاكمة استمرت 4سنوات وهو لايزال فقط متهمًا)، قد يعنى هذا إضعاف الثقة فى منظومة العدالة من قبل الصحفيين وقدرتها على استراداد حقوقهم ،مماقد يدفع كثير من الصحفيين مستقبلا إلى الابتعاد عن أماكن الاشتباكات حفاظا على سلامتهم وحياتهم،وهو ما يحدث بالفعل الآن فى شمال سيناء،ومن ثم نجد أنفسنا كرأى عام مضطرين أن نتعامل مع رواية واحدة فقط للأحداث هى الرواية الرسمية.
خامسًا : إغلاق القنوات التابعة أو المدافعة عن المعارضين لسيطرة الجيش على السلطة فى 3يوليو2013 ،والتشويش على قنوات أخرى بتهمة التحريض على العنف والذى تم خلال عام 2013، ثم العودة مرة أخرى إلى سياسة الإغلاق عام 2017 فى شكل حجب عدد من المواقع الالكترونية وصل عددها فى بعض التقديرات إلى 494 موقع بتهمة دعم الإرهاب وتهديد الأمن القومى وفقا لما أعلنته مصادر أمنية،دون التمييز بين ما تقدمه هذه المواقع من خدمة خبرية وبين آراء قد تحمل مساندة أو دعم للإرهاب (هذا فى حالة ثبوت صحة الإدعاءات)وهو ما كان يجب إثباته أولا قضائيا قبل أى تحرك فعلى بالإغلاق..
المواقع اﻹلكترونية التى تم حجبها هى إما مواقع إعلامية محسوبة على معارضى 30يونية (الجزيرة-الشرق) أو مواقع حقوقية (مراسلون بلا حدود-صحفيون ضد التعذيب-الشبكة العربية لحقوق الإنسان ) أو مواقع صحفية تعمل بشكل مستقل بشكل أو بآخر عن السلطة الرسمية (مدى مصر-البورصة المصرية)، حجب هذه المواقع سيحرم الرأى العام من مصادر إعلامية مهمة للأخبار مستقلة عن السلطة الرسمية.
سادسًا : بيانات الهيئة العامة للاستعلامات (التابعة لرئاسة الجمهورية والتى تمثل جهاز الإعلام الرسمى والعلاقات العامة للدولة ) وتصريحات رئيسها الدكتور ضياء رشوان المستمرة المطالبة للإعلام الدولى بتبنى الألفاظ التى تستخدمها الدولة المصرية وإعلامها فى وصف الجماعات المسلحة التى تحارب الدولة المصرية وتستهدف عناصر الجيش والشرطة مثل لفظ إرهابيين أو جماعات إرهابية،وأن تتراجع عن استخدام مصطلحات محايدة مثل العنف السياسى أو مسلحين أو مقاتلين،وأن الهيئة ستعتبر وسائل الإعلام التى ستصر على مواقفها مشاركة بالتشجيع والتمويه والمراوغة على جرائم الإرهاب،بالإضافة إلى مطالبة الهيئة لوسائل الإعلام الأجنبية أن تنتظر البيانات الرسمية لعدد الضحايا وعدم الإعلان عن أعداد الضحايا قبل البيان الرسمى!
وبعد ان انتهت الورقية البحثية من رصد اهم معالم هذا التحول الي اعلام البيانات الرسمية حددت اربعة توصيات لانقاذ مهنة الصحافة والاعلام منها:
1-على الحكومة المصرية أن تكسب الصحفيين المصريين والأجانب فى حربها على الإرهاب ليس بمحاولة فرض لغة معينة يتحدثون بها فى الإعلام، ولكن بحماية الصحفيين والمراسليين وتسهيل وصولهم إلى أماكن الاشتباكات بأقصى سرعة لتغطية الأحداث سواء كان فى شمال سيناء أو غيرها،وأن يرصد الصحفيون بعيونهم وليس بعيون السلطة جهود الجيش والشرطة فى مكافحة الإرهاب .
2- للجيش المصرى قطعا الحق فى رقابة ماينشر من أخبار فى أوقات الحرب ومنع ماقد يمس الأمن القومى المصرى فى حدود القانون.
3-على الحكومة المصرية تحريك القضايا إذا أرادت ضد المواقع الإعلامية أو أى مواقع إلكترونية إذا رأت فى سياستها الإعلامية مايهدد الأمن القومي، وترك الأمر للقضاء للفصل فى هذا المسألة، وفك الحجب فوُرا عن كل المواقع الالكترونية التى تم حجبها.
4- سرعة إصدار قانون تداول المعلومات وفق المعايير الدولية وما أقره الدستور الحالى دستور 2014 فى المادة 68 من حق تداول المعلومات لأى مواطن وليس فقط الصحفيين والتظلم من عدم إعطاء المعلومة وعقوبة الامتناع أو التضليل فى إعطاء المعلومة والتى يجب أن يشملها أى قانون سيصدر لتداول المعلومات، ونود أن نشير هنا إلى أن إصدار هذا القانون ليس فقط ضرورة لعمل الصحفيين ولكنه ضرورة للأمن القومى فوجود المعلومات والوثائق الرسمية سيقضى على أى إشاعات أو أخبار كاذبة فى المستقبل قد تهدد الاستقرار المجتمعى والسياسى كماتقول السلطة دائمًا.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات