يعاني كثير من المنتمين لصاحبة الجلالة في مصر من الانتهاكات والتنكيل؛ بعدما قُصفت أقلامهم، وصودرت كامراتهم، ومُزّقت أوراقهم، ويقبع كثير منهم في السجون تحت وطأة تنكيل نفسي وجسدي غير مبرر، فضلاً عن حرمانهم من ذويهم وأعمالهم.

وتباينت الإحصاءات في رصد عدد الصحفيين المعتقلين بالسجون المصرية؛ ففي الوقت الذي أشار تقرير للمرصد العربي لحرية الإعلام إلى أن عدد الصحفيين المعتقلين بلغ 94 معتقلاً، لفت تقرير لجنة الحريات والدفاع عن الصحفيين بنقابة الصحفيين إلى أن عدد المعتقلين الممتهنين للصحافة يزيد على 25 صحفياً، ويندرج الباقون تحت بند سجناء الرأي وقضايا النشر.

وفي أجواء وُصفت بأنها الأشد سوءاً، تعاني الصحافة والصحفيون في مصر من انتهاكات كثيرة وكبيرة؛ وقد رفعت نقابة الصحفيين مؤخراً يدها عن دعمهم، أو حتى الاعتراف بوجود صحفيين معتقلين وسجناء رأي بمصر.

– انتهاكات واعتقال

الصحفي هشام جعفر (53 عاماً) يعاني تدهوراً كبيراً في حالته الصحية داخل مقر اعتقاله بسجن العقرب (جنوب القاهرة)، وقد أمضى أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي.

ومؤخراً دخل جعفر، الذي يعاني ظروف اعتقال غير آدمية، إضراباً عن الطعام؛ اعتراضاً على طول حبسه الاحتياطي والانتهاكات التي تقع بحقه.

وتتهم السلطات المصرية جعفر بـ”تلقّي تمويل من هيئة أجنبية بغرض إلحاق الضرر بالأمن القومي، والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين”، وهي التهم التي نفاها تماماً. وقد أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً، في أكتوبر الماضي، طالبت فيه بالإفراج عنه، دون جدوى.

الصحفي المصري الحاصل على جائزة اليونسكو لحرية الصحافة، محمود شوكان، يعاني هو الآخر حبساً احتياطياً تجاوز أربعة أعوام على ذمة القضية المعروفة إعلامياً بـ” فض اعتصام رابعة”، وهو في حالة صحية متدنية ويعاني من مرض التهاب الكبد الوبائي (فيروس سي).

وفي السياق، يقول الصحفي المصري المعتقل محمد الشاعر لـ “الخليج أونلاين”، إن قوات الأمن اعتقلته تعسفياً في الـ8 من أكتوبر 2016، من داخل سيارته بمدينة السادس من أكتوبر (حيث يُقيم)، وصادرت جميع معداته الصحفية وكذلك أمواله.

ومن داخل مقر اعتقاله بسجن طرة (جنوب القاهرة)، يضيف الشاعر (33 عاماً) أنه جرى التحقيق معه في مقر أمن الدولة بمدينة السادس من أكتوبر، وذلك قبل أن يُعرض في اليوم التالي على نيابة أمن الدولة التي تُجدد حبسه حتى الآن.

ونفى الصحفي المصري الاتهامات التي توجهها له نيابة أمن الدولة، ومن بينها “نشر أخبار كاذبة، والانتماء لجماعة الإخوان المسلمين”، مؤكداً أنه لا يوجد ما يثبت أنه نشر أخباراً كاذبة، كما أنه لا ينتمي للإخوان.

وأكد الشاعر أن نقابة الصحفيين “لم تتحرك للإفراج عن أعضائها، كما هو حال الصحفيين غير الأعضاء بالنقابة”، مشيراً إلى أن “هناك تضامناً فردياً من قبل بعض الصحفيين، معه ومع غيره من الصحفيين المعتقلين”.

وعن الانتهاكات التي يتعرض لها بمقر اعتقاله، يقول الشاعر: “بداية حُرمت من أطفالي وأسرتي، وأقبع في زنزانة ضيقة للغاية، أنام على الأرض، طعام السجن لا يؤكل؛ ومن يأكله يُصاب بالأمراض”.

وتابع: “الزنزانة مغلقة علينا طول اليوم، سوى ساعتين فقط، والزيارة مرة واحدة أسبوعياً، كما أن إدارة السجن تمنع دخول البطانيات والكتب للمعتقلين”.

وتحتجز السلطات المصرية الصحفي بقناة الجزيرة محمود حسين منذ أكثر من 10 أشهر دون تهمة محددة. ويعاني حسين، الذي كان مراسلاً للقناة في مصر قبل انتقاله للعمل بمقر القناة بالدوحة، ظروفاً صحية سيئة؛ حيث تعرض لكسر بذراعه منذ نحو 4 أشهر، غير أن إدارة سجن طرة ترفض خضوعه للعلاج، رغم علمها بحاجته الماسة لإجراء جراحة عاجلة.

اقرأ أيضاً :

لوموند الفرنسية: مصر مقبرة لحقوق الإنسان

– أسوأ وضع

من جانبه، أكد عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، خالد البلشي، أن الفترة الحالية هي الأشد سوءاً في أوضاع الصحافة والصحفيين والانتهاكات التي يتعرضون لها، وكذلك هي أسوأ أوضاع يمر بها الإعلام بمصر من محاولات للسيطرة عليه.

وفي حديثه لـ”الخليج أونلاين”، أشار البلشي إلى أن لجنة الحريات والدفاع عن الصحفيين “رصدت في آخر تقرير لها أن عدد الصحفيين المعتقلين والذين يمارسون مهنة الصحافة يزيدون على 25 صحفياً”، لافتاً إلى أنه “تم اعتقال عدد من الصحفيين بالفترة الأخيرة ولم يتم حصرهم بالتقرير”.

وتابع البلشي: “البعض يوثّق العاملين بالمؤسسات الإعلامية على أنهم صحفيون، لكن الواقع أنهم سجناء رأي ومواطنون صحفيون؛ فالصحفي هو من يمارس مهنة الصحافة”.

– النقابة تتنصل

وذهب البلشي لتأكيد أن دور نقابة الصحفيين “غائب تماماً، وهناك تنصّل غريب في الدفاع عن الزملاء المعتقلين”، مضيفاً: “الغريب أن تصريحات النقابة تقول إنه لا يوجد صحفيون معتقلون، ولا سجناء رأي بمصر، وهو ما يخالف التقارير التي أصدرتها لجنة الحريات بالنقابة من قبل”.

وشدد عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق على أن النقابة “لا تمارس الحد الأدنى من دورها وهو الدفاع عن أعضائها”، قائلاً: “ولا ننتظر منها هذا الدور”.

كما لفت إلى أن هناك جهوداً فردية من عدد من الصحفيين للتضامن مع زملائهم المضربين عن الطعام بمقرات اعتقالهم، حيث يتعرضون لانتهاكات أبرزها أنهم تجاوزوا فترة حبسهم الاحتياطي ومع ذلك يتم التجديد لهم.

وأشار البلشي إلى أن هناك عدداً من الصحفيين تجاوزوا فترة حبسهم الاحتياطي ولم يُحالوا إلى محاكمات بعد، كالصحفيين هشام جعفر وحسن القباني ومحمود شوكان، لافتاً إلى أن عدداً من الصحفيين المعتقلين يعانون أوضاعاً صحية شديدة السوء ويحتاجون إلى العلاج ولم يحصلوا عليه.

– مطالب بديهية

عضو مجلس نقابة الصحفيين السابق، ذهب للتأكيد أنهم يطالبون بالبديهيات والأساسيات فيما يتعلق بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين وعدم تجاوزهم فترات حبسهم الاحتياطي وتقديم الرعاية الصحية لهم. وتابع: “نقول طبقوا القانون الجائر؛ فما نطالب به بديهيات ولم نطالب مثلاً بقضايا حرية النشر التي باتت رفاهية الآن”.

وأوضح البلشي أن “جبهة الدفاع عن الصحفيين، نظمت إضراباً جزئياً عن الطعام، بمقر النقابة، الثلاثاء 31 أكتوبر 2017؛ للتضامن مع الصحفيين المضربين عن الطعام وإيصال رسالة أن هؤلاء زملاؤنا ونطالب بحقوقهم”.

كما ألمح إلى أن “التجارب أثبتت أن معظم المعتقلين يقضون شهوراً وسنوات رهن الاعتقال، وبعد ذلك يحصلون على براءات”.

في السياق، لفتت مسؤولة الملف المصري بمنظمة هيومان رايتس مونيتور، سلمى أشرف، أن المنظمة رصدت اعتقال نحو مئة صحفي بالسجون المصرية منذ أحداث 3 يوليو 2013 وحتى الآن.

وفي حديثها لـ”الخليج أونلاين” أشارت أشرف إلى أن “الصحفيين بمصر يواجهون سياسة تكميم الأفواه؛ فلا تكاد تجد صحفياً يكتب عن مواضيع سياسية يعبر فيها عن رأيه أو ينقل آراء المواطنين بحرية إلا وجدته خلف القضبان”.

ولفتت إلى أن “السلطات المصرية تستهدف الصحفيين بهدف إيقاف إيصال الحقيقة للعالم وتقويض حرية الرأي والتعبير”، مشيرة إلى أن “الإعلام هو أحد الأدوات القوية لنقل الصورة عن حقيقة ما يجري في البلاد التي تحظى بحكم عسكري كمصر”.

وتابعت أشرف: “لا يعتقل فقط من يكتب في السياسة إنما يعتقل كل من كان له رأي مؤثر ومستقل، وقد تتجاوز فترات الحبس الاحتياطي السنتين وأكثر مثلما حدث مع الصحفي المصري هشام جعفر”.

وأشارت إلى أن “هشام جعفر بدأ إضراباً عن الطعام اعتراضاً على الانتهاكات الجسيمة التي يواجهها”، مؤكدة أن “السجن يهدف لكسر إرادة الإنسان في التعبير عن رأيه وممارسة حقه فيها”.

وأردفت مسؤولة الملف المصري بهيومان رايتس مونيتور: “فيُمنع الصحفيون أحياناً من التواصل مع العالم الخارجي أو من زيارات الأهالي، وتصادر الأقلام والأوراق؛ وهذا انتهاك جسيم لأبسط حقوقهم في حرية الرأي والتعبير وحقوقهم كسجناء”.
http://alkhaleejonline.net/articles/1509550860658511000/%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D9%88-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84-%D9%88%D8%AA%D9%86%D9%83%D9%8A%D9%84-%D9%88%D8%AA%D9%86%D8%B5%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%A8%D9%8A/

تعليقات الفيس بوك

تعليقات