هل في وسع الصحفي الإطاحة حتى برئيس للجمهورية؟ نعم بالتأكيد، في البلاد الديمقراطية حقا، وشرط أن يدعم ما يخطه بالوثائق، انطلاقا من حقيقة لها أدلة وأن يضمن القانون حرية الصحافة بلا أقنعة إعلامية ومن دون (مراعاة) لمصالح هذا الفريق أو ذاك، وبالذات الفريق الذي يقوم بدعم رأيه بقوة (السلاح) غير الشرعي مثلا. ونتذكر فضيحة «ووترغيت» الأمريكية حيث أطاح كشف صحفي برئيس الجمهورية نيكسون. واليوم تعيش فرنسا الصحافة الحرة ذاتها فصلا من فصول «بنلوب غيت»، وبنلوب هي زوجة مرشح اليمين للانتخابات الفرنسية (الذي كان الأكثر حظا في الفوز بالانتخابات الرئاسية)،
السيدة فيون تقاضت حوالي مليون دولار من مال دافعي الضرائب بذريعة (عمل وهمي)، هذا إلى جانب ابنان لهما كما اتهمهما الإعلام مع الوثائق على ذلك!

«البطة المقيدة» تطيح برئيس ممكن للجمهورية

مثير الفضيحة هو: جريدة فرنسية عريقة ساخرة متواضعة الأناقة الطباعية، اسمها «لوكانار أنشينيه» أي البطة المقيدة (!) لعلها استطاعت مؤخرا تحويل مجرى تاريخ فرنسا مع انتخاب رئيس (محتمل) للجمهورية هو زعيم اليمين الفرنسي فرنسوا فيون. فهم في فرنسا لا يعرفون من الذي سيربح معركة الرئاسة قبل عامين ونصف مثلا!! ولا يعرف أحد لحظة كتابة هذه السطور مَن الذي سيربح الانتخابات الرئاسية عندهم، ولعل المرشح للرئاسة فرنسوا فيون، خسر فرصته بعدما كشفت «الكانار نشينيه» عن عدم امتلاكه لنزاهة فوق الشبهات.

قوة الصحافة وبأسها في الحرية والصدق

الصحافة الفرنسية تتمتع بالحرية المطلقة، لأنه ليس لفريق سياسي فرنسي «مليشيا» تهدد الكاتب النزيه الذي يكشف عن الحقائق، كما قد يحدث في لبنان وعلى نحو أكثر ضراوة في بلدان أخرى.
كشفت الجريدة أن فرنسوا فيون استطاع إضافة أكثر من مليون دولار (للقوة الشرائية) لأسرته بذرائع قانونية، وباختراع مهنة وهمية لزوجته كمعاونة له، وهي التي سبق لها أن نفت قبل أعوام في جريدة «الديلي تلغراف» البريطانية أنها (معاونة مهنية لزوجها)، كما تقاضى ابناه أيضا بعض الرواتب بصفتهما من المستشارين له، وكانا لا يزالان يدرسان في الجامعة!!
ردة فعل فرنسوا فيون كانت تقليدية أي في التهجم على الصحافة الفرنسية والإعلام المتلفز، واختبأ من المنطق بالكثير من الذرائع مثل إعلانه «أحب زوجتي» ولجوئه إلى كاثوليكيته (الملجأ الديني) وإلى تأدية دور المظلوم.
تتساءلون: لماذا أحدثكم عن ذلك؟ وهل بدأت أتحول من سورية / لبنانية إلى مواطنة فرنسية؟ بالتأكيد لا، لكنني أولا وجدت في ما يدور في فرنسا مناسبة لإعلان انحيازي كعادتي للحرية، لحرية الصحافة، شرط أن تدعم أقوالها بالحقيقة. أما مصير الصحفي الجريء الصادق في العالم الثالث، فهو غالبا السجن أو القتل ناهيك عن التشهير به واتهامه بالخيانة.

فرنسوا فيون: أهلا بك في لبنان!!

احتمى «فرنسوا فيون» بنظرية «المؤامرة»، وهي نظرية شائعة جدا في لبنان، وكل من يخالفك في الرأي هو «عميل لإسرائيل»، (ولا أدري لماذا يدس البعض باسم إسرائيل دفاعا عن سلوكهم المشبوه الذي يمنعون الصحافة من الحديث عنه)، ثم إن حدود إسرائيل مع العرب هي الأكثر هدوءا باستثناء قذائف فلسطينية تُعبرُ عن غضبها المحق، ولم يعد ثمة من يقول كلمة عن «تحرير فلسطين» حلمنا وجرحنا الأكبر، وقد يقول ذلك البعض لكنه يذهب ليحارب في اتجاه معاكس!!
سلوك فرنسوا فيون بمجمله يبدو بالغ البراءة بمنظار معظم السياسيين اللبنانيين، ثم إن (المسكين) لم يضف الملايين في «الجنات الضرائبية» السرية كما فعل بعض (الزعماء) اللبنانيين والعرب. وإذا كانوا قد يجدونه في فرنسا أقل نزاهة من المطلوب لرئاسة الجمهورية، فهو بالمقاييس السياسية اللبنانية «آدمي ومظلوم» بل و«خلاصة الأوادم»!! وثمة صديقة فرنسية سألتني بدهشة بعدما علمت بتعطيل المجلس النيابي اللبناني عن العمل طوال عامين ونصف بذريعة «المقاطعة»، سألتني: وهل تقاضى النواب رواتبهم خلال فترة عطالتهم عن العمل؟ ولم أجبها لأنني أعرف أن أمرا كهذا لا يمكن له أن يحدث في فرنسا.
سياسية ألمانية هالها سلوك فيون سألت: هل أعاد المليون دولار إلى الخزينة؟

الشاعر حافظ محفوظ وفلسطين

وسط ذلك البحر المتلاطم من قمع الحريات في مدّ وجزر في هذا البلد العربي أو ذاك وقتل الصحفيين والتنكيل بالكلمة، يقول المواطن العربي إنه قد يكون المقصود من ذلك كله أن تنسى القضية المحورية العربية (في نظري) أي فلسطين، التي تفرعت عن إهمالها الشرور كلها التي تلتهمنا كعرب وتقودنا إلى الحروب المحلية؛ ولذا انتعشت حين طالعت مؤخرا قصيدة اسمها «فلسطين» للشاعر اللبناني/البريطاني حافظ محفوظ، الذي لم ينس أصوله في بلدته «مرجعيون» على الحدود مع فلسطين المحتلة (المدعوة مؤقتا بإسرائيل) هذا بعدما شحت الإبداعات التي تتذكر فلسطين ومما جاء في القصيدة:
نكبة العصر بل جميع العصور/ في فلسطين حتى يوم النشور/ أهدى بلفور لليهود بلادا/ازدهت دائما بشعب جسور/خدعوه وشردوه وداسوا/أرضه دون وازع من ضمير/عنصري ملطخ بدماء/بارع في الهجوم والتدمير/منذ بن غوريون يشن حروبا/ضد أبناء يعرب في نفير/واحتلال الجولان والقدس رمز/مستمر لنقض حق المصير..
وفلسطين حقها يتجلى/عبر تاريخها العريق النضير
مضيفا: أنت يا فلسطين زهرة مجد/ستعودين جنة للزهور..
قصيدة جميلة لا تخون التراث ولا تخون الشعر ولا تخون نبض القلب العربي الشعبي المنحاز لفلسطين.. ويبقى ألا نضيّع نحن «بوصلة فلسطين».
أهل الكهف ناموا أربعين عاما فقط وقاموا من نومهم، فمتى نصحو نحن على الحقائق الرثة لحياتنا العربية مستلبة الحرية حتى في حقل الصحافة؟!

* نقلا عن التقرير المصري

تعليقات الفيس بوك

تعليقات