خلال السنوات العجاف الأخيرة، وبعد أن أممت الحكومة نحو 90% من المؤسسات الإعلامية، وحجبت معظم المواقع الإلكترونية التى لم تتمكن من تطويعها والسيطرة عليها، ضاقت السبل وغلقت الأبواب أمام ناقلى الخبر والرأى، ووصلت طوابير المتعطلين من أبناء المهنة إلى حد غير مسبوق.
خلال تلك السنوات أيضا فتحت السجون أبوابها لعشرات الصحفيين، فوفقا لتقرير لجنة حماية الصحفيين الدولية عن عام 2017، فإن مصر جاءت فى الترتيب الثالث بين أكثر الدول حبسا للصحفيين بعد تركيا والصين، للعام الثانى على التوالى.
وقال التقرير الذى أعلنته اللجنة منتصف الشهر الحالى ولم يحظَ بالنشر فى معظم وسائل الإعلام المصرية، «إن الصحفيين المحبوسين فى مصر وعددهم 20 صحفيا يعيشون أوضاعا صحية سيئة، ومن بينهم المصور محمود أبوزيد شوكان الذى ألقى القبض عليه قبل أربع سنوات أثناء تغطيته لفض قوات الأمن وتم اتهامه بحيازة أسلحة والتظاهر دون ترخيص وارتكاب جريمة قتل ومحاولة قتل».
ويعانى شوكان من فقر الدم وهو بحاجة إلى نقل دم لكنه محروم من الرعاية الصحية حسب قول أسرته، ومن بين الصحفيين المصريين العشرين المحبوسين، 12 منهم لم تتم إدانتهم أو تصدر بحقهم احكام، بحسب ما نقله تقرير اللجنة المعنية بحماية الصحفيين.
أضيف إلى عداد الصحفيين المحبوسين بعد نشر تقرير لجنة حماية الصحفيين، 8 زملاء ألقت قوات الأمن القبض عليهم خلال الأسابيع القليلة الماضية، وهم الزملاء أحمد أبوزيد وأحمد بيومى ووليد البدرى، وعبدالله قدرى وإسلام عبدالعزيز وعمر السيد طه، فضلا عن الزميلين أحمد عبدالعزيز وحسام السويفى اللذين تم القبض عليهما من على سلم نقابة الصحفيين بعد انتهاء وقفة احتجاجية ضد قرار الرئيس الأمريكى بنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
التهمة المعلبة التى توجه إلى الزملاء وفقا لمذكرة تحريات الأمن الوطنى هى «الانضمام لجماعة محظورة أسست على خلاف القانون بغرض تعطيل أحكام الدستور»، وظهرت أخيرا تهمة جديدة ارتبطت بالتحقيقات التى تجريها النيابة مع الزميلين عبدالعزيز والسويفى وهى «تكوين خلية إعلامية موالية لجماعة الإخوان»، علما بأن الأخير من أشد المعادين للجماعة، وقدم ضد قادتها العديد من البلاغات اتهمهم فيها بقتل صديقه الصحفى الحسينى أبوضيف عام 2012.
أعتقد أن السلطة لا تقيم وزنا للتقارير الصادرة عن المنظمات التى تعمل على ملف حرية الرأى والتعبير وغير معنية بتحسين صورتها فى مجال حقوق الانسان أمام الرأى العام الدولى، فلو كان لتلك التقارير صدى لراجعت الحكومة ملفاتها وأعادت النظر فى قرارات التأميم والحصار والحبس.
لم يدرك من هندس المشهد الإعلامى فى مصر بهذه الطريقة، فقرر قطع أرزاق الصحفيين الذين رفضوا الانضمام إلى حظائر الموالاة، وحبس المعارضين منهم بتهم تسقط عادة عندما تحال قضاياهم إلى المحاكم، أنه حول المئات من أبناء صاحبة الجلالة إلى كارهين ناقمين، ينتظرون اللحظة التى يوارب فيها الباب ليظهروا على شاشات لا تستهدف السلطة الحالية فقط بل تستهدف الدولة بكل مؤسساتها.
لا تجعلوا من الكلمة تهمة ومن الرأى جريمة ومن أصحاب القلم أعداء.
*نقلا عن الشروق

تعليقات الفيس بوك

تعليقات