نقلا عن الجزيرة نت

القيم المهنية كلمة كثيرًا ما نسمعها فى مجتمع الصحافة والإعلام وقليلًا ما ندرك لها محتوى حقيقيًا يتناسب مع فخامة الكلمة، خاصة في هذه الفترة التى نعيشها.

إعلامي مشهور مشهود له بالاحترام من جيل الرواد في التلفزيون المصري يروى -معترفا- أنه يحمل وزر خطأ مهني ارتكبه وهو صغير ويتأذى كلما تذكره، وهو قيامه كمذيع باستضافة بعض المتهمين السياسيين، وأجرى حوارا إعلاميا معهم وهم رهن الحبس، واستخدم الحوار للدعاية السياسية ضدهم، ويقول الإعلامي المحترم حمدي قنديل “عندما كبرت أدركت أن هذه ليست مهمة الإعلامي، فالقيم المهنية للإعلامي تلزمه بالحيادية التامة، وظل الرجل يحمل ضميرًا مؤرقًا بما رآه خطأ جسيمًا.

هذا ما تربينا عليه وما نقله لنا أساتذة أحبوا المهنة واحترموها، لهذا سرعان ما نصاب بالإحباط والغثيان عندما نرى إعلاميا صحفيا وفضائيا سخر برنامجه للهجوم والتحريض واستعداء المجتمع ضد المعارضين للدولة، ووصل الأمر إلى مطالبة الدولة بقتل المعارضين لها فى الشوارع وتصفيتهم!! بل وصل به وبزملاء له فى نفس الاتجاه إلى إجبار أهالي معتقلين على الظهور معهم بضغط أمني، وحصارهم وترهيبهم واستجوابهم على الهواء.

كيانات اعلامية
وانهارت القيم المهنية إلى الحد الذى استطاع فيه رجال أعمال فاسدون إنشاء كيانات إعلامية بغرض هدم القيم المهنية والتراث المهني واستبداله بقيم المسخ والتبعية والنفعية، حتى يتم الإجهاز على دور الصحافة الذى كان بمثابة ضمير الأمة، والمدافع عنها والمتصدى الأول للفساد الذى ضرب بجذوره فى البلاد، فكان لزاما عليه القضاء على الصحافة الشريفة التى كانت وما زالت سيفا مسلطا على رقبته.

تنص المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الاعتراف بحق القارئ، في صحافة موضوعية، تعكس بأمانة وصدق نبض الواقع، وحركة الأحداث، وتعدد الآراء، وتصون حق كل مواطن في التعقيب على ما ينشره الصحفي وعدم استغلاله في التشهير أو الابتزاز أو الافتراء أو الإساءة الشخصية.

وتنص المادة 10 فيما يخص واجبات الصحفى فى ميثاق الشرف الصحفى الصادر عام 1998 على وجوب امتناع الصحفي عن تناول ما تتولاه سلطات التحقيق أو المحاكمة في الدعاوى الجنائية أو المدنية، بطريقة تستهدف التأثير على صالح التحقيق أو سير المحاكمة، ويلتزم الصحفي بعدم إبراز أخبار الجريمة، وعدم نشر أسماء و صور المتهمين أو المحكوم عليهم في جرائم الأحداث.

وتنص المواد 4 و5 و6 من حقوق الصحفى فى ميثاق الشرف الصحفي المصري على أنه لا يجوز حرمان الصحفي من أداء عمله، أو من الكتابة دون وجه حق، أو نقله إلى عمل غير صحفي، أو داخل المنشأة الصحفية التي يعمل بها، بما يؤثر على أي من حقوقه المادية والأدبية المكتسبة. ولا يجوز منع الصحفي من حضور الاجتماعات العامة والجلسات المفتوحة ما لم تكن مغلقة أو سرية بحكم القانون. وعدم التسامح في جريمة إهانة الصحفي أو الاعتداء عليه بسبب عمله باعتبارها عدوانًا على حرية الصحافة وحق المواطنين في المعرفة.

ورغم ذلك تدهورت هذه الحقوق والواجبات داخل استديوهات الفضائيات التى هيمنت عليها أجهزة الاستخبارات الداخلية والخارجية، وحولتها إلى مفارخ لتدجين الإعلاميين بسلطان المال، وتحويلهم إلى أدوات طيعة للتبرير لفساد الدولة ورجال الأعمال والتحريض القاتل ضد المعارضين، كما ذكرت عن بعض البرامج التى تحولت إلى مكاتب استجواب تابعة لأجهزة استخبارية.

الفرق الشاسع يدركه من عاصر أو اطلع نقلا على المعايير والقواعد المهنية بين الجماعة الصحفية قبل الانهيار الأخير.

من زمن فات
تعالوا نطلع على بعض مشاهد المجتمع الصحفى، وقت ما كان الإعلامي يرى فى المهنة ضميرًا للأمة وفى الكلمة شرف الوطن واحترامه.

فى عام 1968 وأثناء مظاهرات الطلبة احتجاجا على ضعف أحكام قادة الطيران المسئولين عن هزيمة 1967، توجهت المظاهرات إلى نقابة الصحفيين، وكان نقيب الصحفيين فى ذلك الوقت الكاتب أحمد بهاء الدين، وهتف الطلبة أمام النقابة مطالبين بإعادة محاكمة الضباط المسئولين عن النكسة، وخطب فيهم الصحفي الراحل سعد زغلول فؤاد عضو مجلس النقابة فى ذلك الوقت، ورغم التعليمات الصارمة من النظام الناصري فى ذلك الوقت للنقابات بالتهدئة تقديرًا لظروف الهزيمة، إلا أن أحمد بهاء الدين أصر على قيام النقابة بدورها فى الالتحام بمطالب الجماهير، فصاغ بنفسه بيان تأييد للطلبة، وظل يكتبه طوال الليل، ورفض الرد على التليفونات التى كان متأكدًا أنها من الأمن والرئاسة. وفى الصباح وزع البيان على الصحف التي كانت تلتزم بتعليمات النقابة ونشرته، مما أثار غضب السلطة. واتهمت جهات الأمن الكاتب صلاح الدين حافظ بأنه وراء كتابة البيان، إلا أن بهاء الدين أعلن تحمله المسئولية كاملة.

إذا وضعنا هذا المشهد بجانب مشهد نقيب الصحفيين الحالى الذى اعتبر أن حماية النقابة لصحفيين داخل مبناها مطلوب القبض عليهم لمعارضتهم السلطة هو إيواء هاربين، ندرك الفرق الشاسع فى القيم المهنية بين الزمنين.

عندما غضب أنور السادات على عدد من الصحفيين لمعارضتهم اتفاقية السلام مع إسرائيل، طلب من نقيب الصحفيين كامل الزهيرى إسقاط عضوية النقابة عنهم، فرفض نقيب الصحفيين، وواجه السادات بشعار “العضوية كالجنسية لا تسقط”، بل أصدر بيانًا من النقابة حول الاتفاقية وبنودها. ويذكر أن أنور السادات غضب من الزهيري فطلب من محسن محمد رئيس تحرير الجمهورية وقف كامل الزهيري عن كتابه عموده الأسبوعى “من ثقب الباب”، ورغم أن محسن محمد كان مواليًا للنظام وتابعًا له، إلا أنه كان لا يستطيع مخالفة القيم المهنية التي كانت لا تقبل منع صحفي من الكتابة، أو التدخل فيما يكتبه، فحاول الاتصال بالزهيري لتحذيره، فوجده فى العراق لحضور اجتماع لاتحاد الصحفيين العرب، وبالمصادفة أجل الزهيرى مقاله أسبوعًا، مما جعل السادات يتوهم أن محسن محمد منع الزهيري من الكتابة هذا الأسبوع، وهو ما وجد فيه محسن محمد فرصة لتجاوز الأزمة، ولكنه لم يجرؤ على منع الزهيري من الكتابة، وهو قرار كان بمثابة العار بين الجماعة الصحفية آنذاك.

فى عام 1995 وأثناء أزمة القانون 93 الذى رفضه الصحفيون، كان الكاتب إبراهيم نافع يشغل منصب نقيب الصحفيين، وكان معروفا أنه نقيب حكومة، ورغم ذلك وإزاء حالة الرفض بين صفوف الجمعية العمومية للقانون انضم إبراهيم نافع لجموع الصحفيين، وأعلن استقالته من النقابة ورئاسة تحرير الأهرام، واستقال أعضاء المجلس كلهم احتجاجا على القانون مما جعل الحكومة تتراجع عن إصداره.

هي القيم المهنية التي كانت لا تفرق بين مؤيد ومعارض، وتفعل مظلة الحماية النقابية على كل الصحفيين، هذه القيم التى افتقدناها فانهار المشهد كله حتى أن نقابة الصحفيين بدلا من أن تفعل مظلة الحماية النقابية على الصحفيين أصبحت تحتوي على آراء تطالب بحبس المعارضين طمعا فى رضاء السلطة وذهب رجال الأعمال. وأصبحت الفضائيات والصحفيون فى مؤسسات رجال الأعمال قادة فى منصة إطلاق الاتهامات على المعارضين للنظام، والإبلاغ عنهم والتحريض عليهم، والمطالبة بحبسهم وشطبهم وربما إعدامهم..

أصبحت القيم المهنية كلمة بلا محتوى.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات